
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
حين قررت الأرض أن تكتب قصة الإنسان
خمسون بيتًا… وخمسون بابًا فُتحت للحياة
هناك أماكن لا نزورها فقط… بل تدخل ذاكرتنا قبل أن نغادرها. وهناك مشروعات لا نراها بعين الزائر وحدها، بل نشعر بها بقلب الإنسان، لأن وراء كل حجر قصة، ووراء كل باب حلمًا، ووراء كل مدرسة جيلًا ينتظر فرصته ليكتب مستقبلًا مختلفًا. كانت قرية عباد الرحمن النموذجية في جمهورية موزمبيق واحدة من تلك الأماكن التي لا تُختصر في أرقام، ولا تُقاس بمساحة الأرض، ولا بعدد المباني التي ترتفع فوقها. فبعض المشروعات تبدأ بحجر… لكنها تنتهي ببناء إنسان. وبعض الأفكار تُرسم أولًا على الورق… ثم تتحول، حين تجد الإخلاص والشراكة والإدارة الواعية، إلى حياةٍ تمشي على الأرض. وصدق من قال: ” ليست قيمة الأرض فيما يُقام فوقها، بل فيما تمنحه للإنسان من فرصةٍ ليبدأ من جديد”.
الطريق إلى الحلم
في صباح اليوم الثاني من الرحلة، انطلقت بنا السيارة نحو منطقة ملوانة – مقاطعة مانيسا – محافظة مابوتو، حيث يقع مشروع قرية عباد الرحمن النموذجية. كانت المسافة تقارب خمسين كيلومترًا، لكنها لم تكن مجرد مسافة جغرافية بين نقطة انطلاق وموقع مشروع… كانت رحلة بين فكرتين: فكرةٍ تُكتب في الوثائق، وحياةٍ بدأت ملامحها تتشكل أمام العين. امتدت الطريق بين القرى والمساحات المفتوحة، وكلما اقتربنا من الموقع، كان سؤال واحد يرافقني: كيف يمكن لمشروعٍ يبدو صغيرًا على خريطة العالم أن يصنع فرقًا كبيرًا في حياة إنسان؟ ثم جاءت الإجابة عند الاقتراب من القرية. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى معجزةٍ كبيرة تغيّر حياته. أحيانًا يحتاج إلى بيتٍ آمن. ومدرسةٍ قريبة. وماءٍ نظيف. ومركزٍ صحي. وفرصةٍ حقيقية يبدأ منها من جديد. ” قد لا يحتاج الإنسان إلى أن تتغير الدنيا كلها… يكفي أحيانًا أن يتغير المكان الذي يبدأ منه صباحه”.
حين يكون البناء في طور الاكتمال… وتكون الحياة قد بدأت بالفعل
عند وصولنا، كانت القرية لا تزال قيد التنفيذ. غير أن ملامحها كانت واضحة بما يكفي لتكشف عن حياةٍ تستعد لأن تبدأ. كانت الحركة في الموقع تحمل لغةً خاصة: لغة الانضباط. والدقة. والجودة. والحرص على أن يكون ما يُبنى اليوم قادرًا على خدمة الإنسان غدًا. لم يكن أول ما لفت النظر حجم الإنشاءات، بل روح العمل التي تسري بينها، فكل فريق يعرف مهمته، وكل مرحلة تسير وفق تصور، وكل تفصيل يبدو وكأنه يُنفذ وهو يستحضر اليوم الذي ستدخل فيه الأسر إلى بيوتها، ويجلس الأطفال على مقاعدهم، وتبدأ المرافق في أداء رسالتها. ومن المقرر، وفق البرنامج الزمني المعتمد، أن تكتمل أعمال المشروع بنهاية مارس 2027. وهنا تذكرت: “المباني تُشيَّد بالإسمنت، لكن الحضارات تُشيَّد بالمسؤولية.” فليست العظمة أن تنهي مشروعًا… العظمة أن تبني شيئًا لا يحتاج إلى من ينقذه بعد اكتماله.
قرية لا تبني جدرانًا… بل تبني حياة
تضم القرية خمسين منزلًا متكاملًا، صُممت لتمنح الأسر المستفيدة مساحةً من الكرامة والاستقرار. غرفة. وصالة. ودورة مياه. ومدخل يحفظ الخصوصية. قد يراها البعض تفاصيل صغيرة… لكن الإنسان الذي عاش طويلًا في انتظار الأمان يعرف أن التفاصيل الصغيرة قد تكون بداية حياةٍ كاملة. فالبيت ليس سقفًا فوق الرأس فقط. إنه مساحة يستعيد فيها الإنسان خصوصيته. ومكان ترتب فيه الأسرة أحلامها. ونقطة ثابتة يبدأ منها المستقبل. إنه رسالة تقول للإنسان: “أنت تستحق مكانًا يليق بكرامتك.” قد تُقاس مساحة البيت بالأمتار… لكن ما يصنعه من طمأنينة لا يُقاس بالأرقام. ولهذا، لم تكن هذه المنازل خمسين بناءً متجاورًا… بل خمسين بدايةً جديدة. وخمسين مساحةً للأمل. وخمسين بابًا فُتحت للحياة.
مدرسة كُتبت للأجيال… قبل أن يصل أصحابها إلى مقاعدهم
في قلب القرية تقف المدرسة الابتدائية، بما تضمه من ستة فصول دراسية وغرفتين للإدارة، وقد صُممت وفق مواصفات ومعايير وزارة التعليم. لكن المدرسة لم تبدُ مجرد مبنى ينتظر طلابه. كانت رسالةً كُتبت للأجيال القادمة قبل أن يصل أصحابها إلى مقاعدهم. في كل فصل ستبدأ أسئلة. وفي كل مقعد ستنمو معرفة. وفي كل صباح سيعبر طفل بوابة المدرسة وهو يحمل احتمالًا جديدًا لمستقبله. فقد يصبح أحدهم معلمًا. وقد تصبح إحداهن طبيبة. وقد يخرج من هذه الفصول مهندس، أو قائد، أو صاحب مشروع، أو إنسان يفتح بابًا جديدًا للخير في مجتمعه. إن المدرسة لا تصنع مستقبلًا جاهزًا… لكنها تمنح الإنسان الأدوات التي يستطيع بها أن يصنع مستقبله. فإنه حين تُبني مدرسة، فإننا لا نضيف مبنى إلى القرية… بل نضيف إلى المستقبل فرصةً جديدة“.
الصحة… حين تصبح العافية جزءًا من معنى الكرامة
وبالقرب من المدرسة، يتشكل مركز صحي نموذجي وفق المواصفات المعتمدة لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي(UNDP ) فالتنمية التي تهتم بالتعليم وتنسى الصحة تنقصها رؤية. والتنمية التي تبني المسكن ولا تحمي الإنسان داخله لم تكتمل رسالتها. فالإنسان منظومة واحدة: عقل يحتاج إلى العلم. وجسد يحتاج إلى العافية. وقلب يحتاج إلى الطمأنينة. والصحة ليست خدمة تُقدَّم بعد المرض فقط… إنها حق يحفظ للإنسان قدرته على التعلم والعمل والعيش بكرامة. ويجري العمل على استكمال الترتيبات والبروتوكولات اللازمة مع الجهات الصحية المختصة، بما يضمن أن يتحول المركز بعد اكتماله إلى خدمة فاعلة ضمن منظومة صحية مستدامة. فحين تقترب الرعاية الصحية من الناس، تبتعد عنهم مسافاتٌ طويلة من الألم والقلق.
الماء… حين يعود الزمن إلى الأسرة
وفي القرية بئرٌ ارتوازية. قد يظن بعض الناس أن الماء مجرد خدمة… لكن الماء، في حياة مجتمعات كثيرة، يعني أكثر من ذلك بكثير. يعني وقتًا يعود إلى الأمهات. وصحةً أفضل للأطفال. وجهدًا أقل على الأسر. وفرصةً أكبر للتعليم والعمل والاستقرار. فكل رحلةٍ شاقة بحثًا عن الماء هي ساعاتٌ تُنتزع من الحياة. وحين يقترب الماء من البيت، تعود تلك الساعات إلى أصحابها. إن الماء لا يروي الأرض فقط… بل يروي معها أحلام البشر. فحين يقترب الماء من البيت، تبتعد عن الأسرة مسافاتٌ طويلة من المشقة.
حين وصلت أعمدة الكهرباء… بدا المستقبل أقرب
وبينما كنا نتجول في أرجاء المشروع، وصلت سيارة تحمل أعمدة الكهرباء إلى القرية. كانت لحظةً عابرة في جدول العمل… لكنها لم تكن عابرة في معناها. بدت الأعمدة، وهي تُنقل إلى أرض المشروع، كأنها إعلانٌ صامت بأن الحياة تستعد لأن تضيء هنا. كانت القرية لا تزال قيد التنفيذ…لكن بعض ملامح مستقبلها وصلت قبل اكتمالها. لم تكن أعمدةً تُنقل من مكان إلى آخر فقط. كانت امتدادًا لطريقٍ سيصل البيوت بالنور، والمرافق بالقدرة على العمل، والقرية بإيقاعٍ جديد من الحياة. ولم تصل أعمدة الكهرباء لتضيء المشروع وحده… بل جاءت لتعلن أن الأمل وجد طريقه إلى المنطقة كلها، وأن نورًا جديدًا بدأ يرسم ملامح مستقبلٍ أوسع.
أجمل ما في المشروع… أنه يفكر فيما بعد البناء
الفرق بين مشروعٍ عادي ومشروعٍ استثنائي قد يبدأ بسؤال واحد: ماذا بعد الافتتاح؟ فالمبنى الذي لا يملك خطة تشغيل واضحة قد يتحول، بعد سنوات، إلى أثرٍ صامت. أما المشروع الذي يُخطط لتشغيله قبل اكتمال بنائه، فهو مشروع يفكر في الإنسان بعد يوم الافتتاح. وقد كان واضحًا أن الاستدامة حاضرة منذ مراحل التنفيذ الأولى. فالمدرسة ستُشغَّل بالشراكة مع وزارة التعليم. ويجري استكمال الترتيبات اللازمة لتشغيل المركز الصحي بالتعاون مع وزارة الصحة والجهات المختصة. أما المسجد ومركز الخياطة، فسيتولى المجلس الإسلامي إدارتهما وتشغيلهما. وهنا تتكامل الأدوار: تقدم المؤسسة الرؤية والدعم. وتسهم الجهات الحكومية في التشغيل والاستدامة. ويشارك المجتمع في الإدارة والحفاظ على الأثر. فالمشروع الذي يبحث عن شريكٍ قبل أن يبحث عن مستفيد، هو مشروعٌ يبحث عن الاستدامة. فالبناء ينتهي عند تسليم المفاتيح… أما التنمية فتبدأ عندما تُسلَّم المسؤولية.
أرضٌ ما زالت تخبئ مشروعًا آخر
وفي محيط القرية مساحة إضافية من الأرض يجري إعداد دراسة للتوظيف الأمثل لها. ولم تُنظر إلى هذه المساحة بوصفها أرضًا غير مستغلة، بل بوصفها فرصةً مفتوحة، قد تحتضن مستقبلًا مرفقًا جديدًا، أو نشاطًا إنتاجيًا، أو مشروعًا يعزز الاكتفاء والتمكين، ويضيف إلى القرية بعدًا آخر من أبعاد الاستدامة. إن الرؤية التي تكتفي بما أُنجز تنظر إلى المشروع بوصفه نهاية. أما الرؤية التي تسأل: ماذا يمكن أن نصنع بعد ذلك؟ فهي تنظر إليه بوصفه بداية. فليست كل أرضٍ لم يُبنَ عليها شيء أرضًا فارغة… فبعض المساحات تكون مستقبلًا ينتظر الفكرة المناسبة.
حين تصبح الشراكة لغةً مشتركة
خلال الزيارة التقينا بالشيخ ياسين علي، ممثل المجلس الإسلامي بمحافظة مابوتو. لم يكن حديثه عن المباني فقط… بل عن الإنسان. عن آلية اختيار الأسر المرشحة للسكن. وعن تنمية المجتمع. وعن تحويل القرية من مكانٍ تُسلَّم فيه البيوت إلى مجتمعٍ تنمو فيه العلاقات، وتتوزع فيه المسؤوليات، وتُبنى فيه فرص الحياة. وكان واضحًا أن المشروع لم يغير المكان وحده… بل أطلق حراكًا تنمويًا ومؤسسيًا حوله. وخلال فترة تنفيذ القرية، تولّى الشيخ ياسين مهام مدير التنمية الاقتصادية واللوجستية، في دلالة على ما تشهده المنطقة من اهتمام متزايد بالتنمية وتنظيم مواردها وتعزيز بنيتها المؤسسية. فالمشروعات الكبيرة لا تترك أثرها في المستفيدين وحدهم… بل تعيد تحريك المؤسسات المحيطة بها، وتفتح مساحات جديدة للتعاون والمسؤولية. فحين تنجح التنمية، لا يتغير المكان وحده… بل تتغير الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى مستقبله.
عندما تتحدث الحكومة بلغة الثقة
وخلال الزيارة، علم حاكم المقاطعة بوجود الوفد، فأبدى حرصه على لقائنا. وبعد انتهاء جولتنا في المشروع، توجهنا إلى المقر الحكومي، غير أن ارتباطًا طارئًا حال دون حضوره. لكن حرصه على اللقاء لم يتوقف. فوجّه الأمين العام لحكومة المقاطعة باستقبال الوفد، واستضافتنا في منزل الحاكم، ناقلًا تقديره للجهود التي تبذلها المؤسسة الإفريقية للتعليم والتنمية والجهات الشريكة في تنفيذ المشروع. وأكد أن توجيهات الحاكم تقضي بتذليل الصعوبات، وتقديم ما يلزم لإنجاح العمل، وتعزيز أثره في المنطقة. ولم يقف الدعم عند كلمات الترحيب. فقد أوصى بتوفير مقر للمؤسسة داخل المجمع الحكومي، بما يعزز حضورها، ويدعم قدرتها على متابعة برامجها، ويقوي جسور التعاون بين المؤسسة والجهات الحكومية. وفي تلك اللحظة، بدا أن المشروع حقق أثرًا حتى قبل اكتمال بنائه. فالثقة لم تكن وعدًا ينتظر المستقبل… بل كانت شراكة بدأت تتشكل في الحاضر. فالثقة لا تُطلب من الحكومات… بل تُبنى عندما ترى الحكومات أثر العمل.
افتتاحٌ يليق بحكايةٍ كبيرة
ومع اقتراب اكتمال المشروع، تتجه الترتيبات نحو افتتاح يليق بحجم الرؤية، وسط تطلع لأن يكون الافتتاح تحت رعاية فخامة رئيس جمهورية موزمبيق. وليس الاحتفاء بالمشروع غايةً في ذاته. فحفل الافتتاح، مهما كان كبيرًا، لا يساوي لحظة دخول أسرة إلى بيتها بطمأنينة، أو جلوس طفل على مقعده الدراسي، أو حصول مريض على الرعاية، أو اكتساب امرأة مهارة تفتح لها بابًا إلى الإنتاج. إن الافتتاح الحقيقي للمشروع سيبدأ في اليوم التالي للحفل… حين تبدأ الحياة.
إلى المانحة الكريمة… من أرضٍ بعيدة تصل دعواتٌ لا تُحصى
إلى تلك القلوب التي اختارت أن تجعل من العطاء حياة… إلى من رأت في المال وسيلةً لبناء الإنسان، لا رقمًا يُنفق وينتهي… قد لا تعرفون أسماء الأطفال الذين سيدخلون هذه المدرسة. وقد لا تلتقون بالأسر التي ستفتح أبواب بيوتها للمرة الأولى بطمأنينة. وقد لا تسمعون كل الدعوات التي سترتفع من قلوب الأمهات والآباء. وقد لا ترون كل لحظة أمل ستبدأ من هذه الأرض. لكن الله يعلم. يعلم النية التي سبقت العطاء. ويعلم كل حجر وُضع. وكل جهدٍ بُذل. وكل يدٍ عملت. وكل شراكةٍ قامت. وكل قلبٍ اختار أن يجعل من المال رسالة. فبعض الأعمال تنتهي عند اكتمالها…أما الأعمال التي تُبنى للإنسان، فإنها تبدأ رحلتها الحقيقية بعد اكتمالها.
دعاء للمانحة الكريمة
اللهم يا واسع الفضل والإحسان، يا من لا يضيع عنده خير، ولا يغيب عن علمه معروف… بارك للمانحة الكريمة في عطائها، واجعل ما قدمته نورًا في حياتها، وبركةً في أهلها وأعمالها، وذخرًا كريمًا لها يوم تلقاك. اللهم اجعل كل بيتٍ تحتضن جدرانه أسرةً في هذه القرية سكينةً تُكتب لها، وكل بابٍ يُفتح على حياةٍ جديدة أجرًا يجري في ميزانها.
اللهم اجعل كل طفلٍ يتعلم في هذه المدرسة علمًا نافعًا يعود ثوابه إليها، وكل نجاحٍ يولد بين فصولها ثمرةً من ثمار عطائها. اللهم اجعل كل مريضٍ يجد الرعاية في هذا المركز الصحي دعوةَ رحمةٍ لها، وكل قطرة ماءٍ تخرج من هذا البئر أجرًا جاريًا، وكل يدٍ تتعلم في مركز الخياطة سببًا في رزقٍ مبارك يُكتب لها. اللهم اجعل كل سجدةٍ تُرفع في مسجد القرية نورًا يسبقها إلى رحمتك. اللهم كما جعلت عطاءها مأوىً للأسر، فاجعل لها من رحمتك مأوى. وكما فتحت بهذا المشروع أبوابًا للأمل، فافتح لها أبواب الرضا والبركة والتوفيق. وكما امتد خيرها إلى أرضٍ بعيدة، فاجعل أثره قريبًا منها يوم تحتاج إلى عملٍ يبقى، وأجرٍ لا ينقطع، ودعاءٍ صادقٍ لا تعرف صاحبه. اللهم تقبل هذا العمل قبولًا حسنًا، واجعله صدقةً جارية، وأثرًا ممتدًا، وخيرًا يتجدد مع كل بيتٍ يُعمر، وكل طفلٍ يتعلم، وكل مريضٍ يُعالج، وكل أسرةٍ تجد في هذه القرية بدايةً جديدة.
غادرنا الموقع… لكن الحكاية بقيت معنا
غادرنا قرية عباد الرحمن… لكن القرية لم تغادرنا. بقيت حركة العمل. وبقيت البيوت وهي تستعد لاستقبال حكايات جديدة. وبقيت المدرسة، كرسالةٍ كُتبت للأجيال قبل أن يصل أصحابها إلى مقاعدهم. وبقيت أعمدة الكهرباء التي وصلت في أثناء الزيارة، وكأن المستقبل أرسل أول إشاراته إلى المكان. وبقيت الأرض الإضافية، بما تحمله من أسئلة وفرص لم تُكتب فصولها بعد. وبقيت تلك القناعة العميقة: أن التنمية، حين تضع الإنسان في قلب الفكرة، لا تبقى مشروعًا… بل تصبح حياة. وفي مذكرتي كتبت: ” قد يكتمل البناء في موعده، لكن الأثر لا يبدأ حساب عمره إلا عندما يصبح المكان جزءًا من حياة أهله”. ثم أضفت: “أعظم المشروعات ليست تلك التي تملأ الأرض بالمباني، بل التي تملأ الإنسان بالقدرة على أن يصنع مستقبله”. ربما كانت أرض ملوانة صامتةً قبل أن يبدأ المشروع… لكنها اليوم تكتب، بيتًا بعد بيت، ومدرسةً بعد مدرسة، وبئرًا بعد بئر، قصة الإنسان الذي وجد من يؤمن بحقه في حياةٍ أفضل. قرية عباد الرحمن ليست خمسين بيتًا فقط… إنها خمسون بابًا فُتحت للحياة. وليست مدرسةً فقط… بل بداية جيل. وليست مركزًا صحيًا فقط… بل كرامةٌ تقترب من الناس. وليست بئرًا فقط… بل زمنٌ يعود إلى الأسر. وليست مسجدًا ومركز خياطة فقط… بل قيمٌ تحفظ المجتمع، ومهاراتٌ تفتح أبواب الإنتاج. إنها صفحةٌ كتبتها الأرض بلغة الرحمة… ووقّعها العطاء… وتشارك في صياغتها الشراكة… وسيقرأها المستقبل في حياة أهلها. قرية عباد الرحمن… لم تُبنَ لتكون مكانًا يعيش فيه الناس فحسب… بل لتكون حياةً يجدون فيها ما يستحقون. وحين يُدار الخير بحكمة، لا يتحول إلى مشروعٍ فقط… بل يصبح مستقبلًا.