
محمد تهامي
مائدة اليوم الترفيهي في نيروكو… يومٌ لم تكن فيه المشويات طعامًا، بل لغةً للصحبة
الأحد 2 أغسطس 2026 – نامبولا، موزمبيق
لم تكن كل أيام الرحلة مواعيدَ عمل، ولا كل ساعاتها انتقالًا بين مشروعٍ ومشروع، أو اجتماعٍ وآخر. فبعد أيامٍ امتلأت بالزيارات الميدانية، وتفقد المشروعات، وقراءة الواقع، والإنصات إلى الناس، جاء يومٌ مختلف… يومٌ أراد له أصحابه أن يخفف عن الأرواح شيئًا من عناء الطريق، وأن يمنح الصحبة مساحةً أوسع من المكاتب، وأهدأ من جداول الأعمال. كان اليوم الترفيهي. لكننا اكتشفنا، بعد أن مضت ساعاته، أنه لم يكن ترفيهًا بالمعنى الذي تعنيه الكلمة. كان يومًا للاجتماع… وللمحبة… وللتأمل… ولرؤية الإنسان بعيدًا عن ألقابه ومهامه ومسؤولياته. ففي العمل قد تعرف الإنسان من قراراته. وفي الميدان قد تعرفه من جهده. أما في الرحلات الهادئة، فتعرفه من روحه.
إلى نيروكو… حين بدأت الطريق قبل أن تبدأ الحكاية
في صباح الأحد، الثاني من أغسطس عام 2026، تحركنا بصحبةٍ طيبة نحو منطقة نيروكو، التي تبعد عن مدينة نامبولا قرابة نصف ساعة، وربما تمتد الرحلة إليها بين ثلاثين وأربعين دقيقة. لم تكن المسافة طويلة. لكن الطريق كان كافيًا ليخرج بنا من إيقاع المدينة إلى رحابة المكان. وكانت الأحاديث تسير معنا. ذكرياتٌ تُروى… ومواقفُ تُستعاد… وتعليقاتٌ صغيرة تملأ الطريق دفئًا. فبعض المسافات لا تُقاس بعدد الكيلومترات، بل بعدد الضحكات التي تتولد خلالها. وقد قال أحد الحكماء: ” الطريق لا يطول إذا كانت القلوب تسير معًا، فالمحبة تختصر المسافة قبل أن تختصرها المركبات.” وحين وصلنا، لم نكن نعلم أن هناك حكايةً بدأت قبل حضورنا.
المائدة التي سبقت ضيوفها
وصلنا إلى المكان… لكن فريق العمل كان قد وصل قبلنا. لم يكن حضورهم مصادفة، ولم تكن المائدة قد أُعدت على عجل. قبل وصولنا بما يقارب الساعة، كان هناك من يعمل في صمت. من يجهز… ومن يرتب… ومن يشعل الفحم… ومن يراجع ما أُعد في البيت… ومن يتابع ما بقي من تفاصيل. وكانت الاتصالات قائمة بين مرافقنا الفاضل الكريم م محمود مصباح، وبين الفاضل الكريم إسلام عطا. اتصالاتٌ لا يسمعها الضيوف… لكنهم يرون أثرها عندما يجلسون. وهنا أدركنا معنىً جميلًا: أن بعض الكرم يبدأ قبل أن يصل الضيف. بل ربما يبدأ يومًا قبل الموعد، حين يفكر أصحاب المائدة: ماذا يحب الضيوف؟ كيف نجعلهم يشعرون بالراحة؟ ما الذي يليق بهذه الصحبة؟ قال أحد الحكماء المغمورين “: أجمل ما في الكرم ليس ما تضعه أمام الضيف، بل ما تفكر فيه من أجله قبل أن يطرق الباب. وهكذا كانت مائدة نيروكو… بدأت قبل أن نصل.
بستانٌ صغير يفتح أول أبوابه
ما إن جلسنا حتى تقدّم إلينا طبقٌ من الفاكهة. لكنه لم يكن طبقًا عاديًا. كان كأنه بستانٌ صغير استقر فوق المائدة. البرقوق… والتفاح… والعنب… والفراولة… ألوانٌ تتجاور، وروائحُ تتداخل، وطبيعةٌ تقدم بعض عطاياها قبل أن تبدأ حكاية الفحم. كان ذلك أول الترحيب. فالفاكهة لم تكن مجرد ضيافة. كانت رسالةً هادئة تقول: “اجلسوا… فالوقت اليوم ليس مستعجلًا”. وبينما كنا نتبادل الحديث، كان الفحم يواصل كتابة قصته. كان للشواء صوتٌ خافت. ورائحةٌ تنتشر في المكان. ودخانٌ يصعد في الهواء، ثم يعود إلينا محملًا بوعد المائدة القادمة.
فريقٌ رباعي… حين يصبح التعاون أحد أطباق المائدة
وخلف المشهد الجميل، كان هناك فريقٌ يستحق أن يُذكر قبل الطعام. الفاضل الكريم إسلامعطا، والفاضلة زوجته الكريمة… والفاضل الكريم م محمود مصباح والفاضلة زوجته الكريمة،أربعةُ قلوب اجتمعت قبل أن تجتمع الأطباق. كان هناك إعدادٌ مسبق. وشراءٌ واختيار. وتجهيزٌ في البيت. وتتبيلاتٌ أُعدت قبل الرحلة. ثم انتقالٌ إلى المكان. ثم إشعالٌ للفحم. ثم وقوفٌ أمام الشواء. ثم متابعةٌ لكل تفصيلة. لم يكن أحدٌ منهم يؤدي دورًا منفصلًا. كانوا كأنهم يدٌ واحدة.
وفي هذا المشهد تذكرت معنىً عميقًا من المعاني التي تناولها ابن خلدون في حديثه عن الاجتماع والعمران، فالإنسان لا يستطيع أن يحقق حاجاته منفردًا كما يحققها حين تتعاون الجهود، وأن الاجتماع ليس مجرد وجود الناس في مكانٍ واحد، بل هو تساندٌ تتكامل فيه القدرات وتُثمر به الأعمال. لكن ما رأيناه في نيروكو كان صورةً أكثر دفئًا: لم يكن اجتماعًا من أجل الحاجة… بل اجتماعًا من أجل إسعاد الآخرين. وكان يمكن أن نقول: “إذا كان التعاون يصنع العمران، فإن المحبة تصنع الروح التي تمنح العمران معناه.”
التوأم… حين كان الجهد أكبر من الكلمات
وكان للفاضل إسلام وزوجته الكريمة قصةٌ أخرى داخل هذا اليوم. فقد كانت معهما طفلتاهما التوأم، طفلتان صغيرتان، تحتاجان إلى رعايةٍ واهتمامٍ متواصل، بينما كان الوالدان يشاركان في إعداد المائدة، ويتابعان تفاصيلها، ويحرصان على راحة الجميع. كنا نراقب المشهد بشيءٍ من الإشفاق والمحبة. كيف يجمع الإنسان بين مسؤولية طفلين صغيرين، وبين استقبال الضيوف، وبين إعداد الطعام، وبين متابعة تفاصيل اليوم؟ لكن الأم كانت حاضرة بروحها… والأب حاضرًا بجهده… والأسرة تتحرك في هدوء.
وكان للفاضل م علي خفاجي دورٌ كريم في التخفيف والمساعدة، فشارك بروح الأخوة، وأسهم في أن تمر التفاصيل بسلاسة. وفي تلك اللحظة، لم تكن المساعدة عملًا جانبيًا. كانت درسًا في الصحبة. فالصديق الحقيقي لا ينتظر أن يُطلب منه العون. يرى التعب، ثم يقترب. وقد قال أحد الحكماء: “المودة ليست أن تسأل صديقك: هل تحتاج شيئًا؟ بل أن ترى ما يحتاج إليه قبل أن يضطر إلى السؤال”.
حين اجتمع الظهر والعصر… واجتمع الناس على معنى واحد
وقبل أن تبدأ المائدة، جمعنا صلاتي الظهر والعصر تقديمًا. وكان أهل المنطقة قد أدوا صلاة الظهر. فتوقفت الأحاديث. وهدأت الحركة. وتقدمت الصلاة على كل شيء. وفي ذلك جمالٌ لا يُوصف. فالطعام ينتظر. والشواء ينتظر. والصحبة تنتظر. أما النداء إلى الله، فيبقى الموعد الذي لا يؤجل. وبعد الصلاة، عاد الجميع. وكانت رائحة الفحم قد أعلنت أن المائدة أصبحت قريبة.
طبقٌ من المشويات… يكفي أن تنظر إليه فتشبع
ثم جاءت المائدة. أو لعلها جاءت لوحةً من ألوان الجمر. طبقٌ كبير من المشويات… فيه الدجاج المشوي، وقد حمل أثر الفحم والتتبيلة. وفيه الكفتة، التي أعادت إلى الذاكرة أيامًا أصيلة، حين كانت المشويات تجمع الأسرة والأصدقاء حول موقدٍ واحد. ثم الهامبورجر المشوي… وتنوعٌ يجعل العين تتوقف قبل أن تمتد اليد. كان طبقًا يكفيك أن تنظر إليه فتشبع من جماله، ثم تبدأ الأطباق في اختبار قدرتك على المقاومة.
لكن المائدة لم تتوقف عند المشويات. جاءت أطباق الشيبسي، تضيف إلى المشهد خفةً وبساطة. ثم أطباق الخضروات: الطماطم… والخيار… والفلفل الحار… وكأن بستانًا صغيرًا قرر أن يجلس إلى جوار الفحم. ثم طبق المخللات المتنوعة: الكرنب… والبنجر… والباذنجان المخلل… والزيتون الأخضر… لكل صنفٍ طعمه، ولكل لونٍ حضوره. وكان الخبز قريبًا من الخبز الفرنسي، خفيفًا وجميلًا، يحمل المشويات ويجمع النكهات. ثم جاءت الصلصات: الكاتشب… وخليط الفلفل السائل… فتكاملت المائدة، لا بتكلفٍ في الترتيب، بل بجمالٍ خرج من تنوعها وروح من صنعوها.
الرافعي… حين تصبح المودة طعامًا لا يُرى
قال الرافعي، في معنى المحبة والروح، ما خلاصته أن الإنسان لا يعيش بالأشياء وحدها، بل بما تمنحه الأشياء من معانٍ. وهكذا كانت هذه المائدة. فالطعام وحده لا يفسر ما شعرنا به. لم تكن قيمة الدجاج في طعمه فقط. ولا قيمة الكفتة في نكهتها. ولا قيمة الفحم في رائحته. كانت القيمة في أن كل ذلك جاء محمولًا على اهتمام. فالإنسان قد يأكل في مكانٍ فاخر، ثم يغادر دون أن يبقى في ذاكرته شيء. وقد يجلس في مكانٍ بسيط، لكنه يشعر أن القلوب سبقته إليه. فيتذكره العمر كله. وقد قال أحد الحكماء: الطعام يملأ الجسد، أما الشعور بأنك مُنتظر، فيملأ مكانًا في القلب لا يجوع بعده.”
ذكرياتٌ طيبة… لأن اليوم لم يكن عن الطعام
وبين المائدة والحديث، بدأت الذكريات تظهر. تحدثنا عن الأيام الماضية. عن الزيارات. عن المواقف. عن المشروعات. عن الطريق. عن الناس. وعن التفاصيل التي لم تكن تبدو كبيرة في لحظتها، ثم أصبحت بعد مرور الوقت أجمل ما نذكره. وهنا عرفنا أن اليوم الترفيهي لم يكن استراحةً من العمل. كان استراحةً للروح. فالعمل يجمعنا حول الهدف. أما الصحبة فتجمعنا حول الإنسان. وقد قال أحد الحكماء: “في العمل تعرف قيمة الإنسان، وفي الصحبة تعرف سرّ قيمته”.
دعاءٌ لقلوبٍ أعدّت المائدة قبل أن تصل إليها الأيدي
اللهم بارك للفاضل الكريم إسلام، واجزه عنا خير الجزاء على ما بذله من جهدٍ، وما أظهره من كرمٍ، وما أحاطنا به من صدق المودة وحسن الضيافة. اللهم بارك لزوجته الكريمة، وألبسها ثوب الصحة والعافية، واجعل كل تعبٍ بذلته في إعداد هذا اليوم راحةً لها، وكل جهدٍ قدمته بركةً في عمرها وبيتها وأهلها. اللهم احفظ الطفلتين التوأم، وأنبتهما نباتًا حسنًا، واجعلهما قرة عينٍ لوالديهما، واملأ حياتهما بالصحة، والإيمان، والعلم والسعادة.
اللهم بارك للفاضل م محمود مصباح، وبارك لزوجته الكريمة، واجزهما عن هذا الجهد الطيب خير الجزاء، واجعل ما قدماه من إعدادٍ واهتمامٍ وتعاونٍ في ميزان حسناتهما. اللهم احفظ أسرهم جميعًا، وأدم بينهم المحبة، واجعل بيوتهم عامرةً بالسكينة والرحمة والبركة. اللهم بارك للفاضل م علي خفاجي، واجزه خيرًا على ما قدمه من مساعدةٍ وتخفيفٍ ووقوفٍ كريم، واجعل عونه للآخرين نورًا له في الدنيا والآخرة. اللهم بارك في الصحبة التي جمعتنا، ولا تجعل لقاءاتنا عابرة، واجعلها روابط خيرٍ ومحبةٍ وعملٍ صالح.
الخاتمة… لم نذهب إلى نيروكو لنأكل
حين انتهى اليوم، لم نتذكر المشويات وحدها. لم نتذكر الدجاج والكفتة واللحم والهامبورجر فقط. بقيت في الذاكرة صورة الفريق الذي وصل قبلنا. وصورة التتبيلات التي أُعدت في البيت. وصورة الفحم وهو يشتعل. وصورة أمٍ ترعى طفلتين توأم، ثم تشارك في خدمة ضيوفها. وصورة أبٍ يتنقل بين الشواء والاهتمام بكل تفصيلة. وصورة أصدقاء يتعاونون دون أن ينتظر أحدٌ منهم شكرًا. عرفنا أن المائدة لم تبدأ حين وُضع الطعام. بدأت حين فكر أصحابها فينا. ولم تنته حين فرغت الأطباق. بقيت في الذاكرة؛ لأن المحبة لا تُرفع عن المائدة. وقال أحد الحكماء: “بعض الأيام تنتهي عند الغروب، وبعضها يظل مضيئًا لأن الناس الذين صنعوه تركوا في القلب جزءًا من نورهم.”
وهكذا كانت نيروكو… لم تكن مكانًا زرناه في يومٍ ترفيهي. كانت مساحةً اجتمعت فيها القلوب، فصار المكان وطنًا مؤقتًا. ولم تكن المائدة طبقًا من المشويات. كانت درسًا في التعاون… وحكايةً عن الأسرة… وصورةً للصحبة الطيبة… وذكرى تقول: إن أجمل ما في الرحلات ليس المكان الذي نصل إليه… بل القلوب التي تجعل وصولنا إليه أجمل.