مائدةٌ حملها القلب الأحد 30 أغسطس 2026 | الدوحة

محمد تهامي

محمد تهامي

كان الموعد في ظاهره موعدَ عمل. جدول أعمال، ونقاط تحتاج إلى نقاش، وأوراق تنتظر أن تُفتح، ووقتٌ يمضي سريعًا، فيما كان في الذهن موعد آخر لمناقشة البحث والاستعداد له. جلسنا مع العزيز أحمد نادي “أبي جَنّة”، وكان كل شيء يسير في مساره الطبيعي، حتى قال: ” بعد إذنك… أنزل لنادي.”  ظننت أنه جاء لزيارة عابرة، أو ليلقي السلام ثم ينصرف. لكن الباب فتح عن مشهدٍ آخر.

دخل نادي يحمل حقيبة بين يديه، حقيبة بدت أثقل من أن تكون مجرد حقيبة عادية، وكأنها اختزلت داخلها شيئًا من بيت جَنّة، ومن يد أم جَنّة، ومن قلب الأسرة كلها. كان واضحًا أن نادي جاء ليؤدي مهمته ثم يغادر؛ وجاء وقت مغادرة أبي جنة والرفيق لظروف موعدًا مراجعة البحث، ولم يكن يريد أن يعطلني. لكنني أصررت، ومعنا الرفيق: نجلس ونتناول الطعام معًا. وهنا فقط انكشفت الحكاية.

فتحنا الحقيبة… فإذا بنا أمام مائدة كاملة من بيت أبي جَنّة ومن يد أم جَنّة. لم تكن حقيبة طعام؛ كانت رسالة بيتٍ إلى بيت. صينية كبيرة من المحشي؛ ورق عنب، وفلفل، وكوسة، وباذنجان… كأن المطبخ المصري القديم استيقظ بكل ذاكرته، وجاء يجلس معنا في تلك الليلة. وبجوارها طبق الدجاج المحمر، وطبق اللحم المحمر، وإناء الملوخية الذي يكفي أن تراه حتى تتذكر أن بعض الأطعمة لا تُؤكل فقط، بل تُعيد الإنسان إلى زمنٍ كامل. ثم جاءت شوربة الخضار، وكأنها بستان صغير اختصرته يد أمٍّ محبة في إناء. وبعدها… كانت للحلوى حكاية أخرى. كنافة مدلعة، كما يقولون بلهجة هذا الزمن؛ تعلوها لمسة من الآيس كريم، وتجاورها المانجو، ومعها خليط من الفاكهة، لتغلق المائدة بابها على حكاية لا ينقصها شيء.

وهنا توقفت قليلًا. فالطعام كان كثيرًا، نعم. لكن الذي كان أكبر من الطعام هو السؤال: لماذا يفعل الناس ذلك؟ لماذا يحمل نادي هذه الحقيبة بكل هذا الثقل؟ ولماذا تُعد أم جَنّة كل هذه الأصناف؟ ولماذا يصل الطعام إلى مجلس عمل لم يكن في جدول أعماله بند اسمه “الغداء أو العشاء”؟ والجواب بسيط جدًا: لأن بعض البيوت لا تستطيع أن ترى من تحبهم محتاجين إلى شيء، ولو كان مجرد وجبة، ثم لا تفعل شيئًا.

حين يصبح الأبناء رسلَ المحبة

أجمل ما في المشهد أن نادي لم يأتِ بالطعام بوصفه ناقلًا له. كان يحمل معه أمانة بيت. فالأبناء في البيوت الكريمة لا يحملون الأشياء فقط؛ يحملون أخلاق آبائهم وأمهاتهم. وحين يخرج الابن من بيتٍ يحمل حقيبة طعام إلى رجلٍ يعرفه، فهو في الحقيقة يحمل صورة البيت كله. ولهذا كانت الحقيبة ثقيلة في اليد… لكنها كانت خفيفة في القلب. وقد قيل في معنى من أجمل ما يمكن أن يقال: ” هناك أيدٍ تحمل الأشياء، وهناك قلوب تجعل الأشياء التي تحملها ذات معنى.”  وكان نادي من تلك الأيدي.

مائدةٌ لم تكن على جدول الأعمال

أحيانًا نضع لأنفسنا جدولًا دقيقًا لليوم: هذا موعد للعمل، وهذا للبحث، وهذا للاتصال، وهذا للراحة. ثم تأتي المودة، فتقول لنا بهدوء: ليس كل ما يستحق أن يحدث مكتوبًا في جدول. كان الموعد اجتماعًا. فأصبح مائدة. وكانت الحقيبة جزءًا من العمل في ظاهرها. فأصبحت في معناها صلة رحم، ومودة وصحبة وكرمًا. وكان نادي يريد أن يغادر سريعًا. فأصبح وجوده جزءًا من المائدة. وهكذا، في دقائق قليلة، انتقل اليوم من «أجندة عمل» إلى لحظة إنسانية لا تُنسى.

بيت أحمد نادي ” أبي جَنّة”… حين يصل البيت إلى مجلسك

ولعل أجمل ما في هذه المائدة أنها لم تأتِ من مطعم، ولم تحمل اسمًا تجاريًا، ولم تحتاج إلى بطاقة تعريف. كان عنوانها: من بيت أبي جَنّة وأم جَنّة، وهذا وحده يكفي. ففي بعض البيوت طعام كثير، وفي بعضها طعام قليل، لكن الفرق ليس في عدد الأطباق. الفرق في الروح التي خرجت معها الأطباق. وما أجمل أن تكون المائدة قادرة على أن تقول دون كلام: أنتم في بالنا.” وهذه أرقى صور الكرم. أن يتذكرك الإنسان وأنت لست أمامه. أن يصنع لك شيئًا وأنت لا تطلبه. أن يرسل إليك ما تحب، لا ما يريد هو أن يعطيه. وأن يفعل كل ذلك دون أن ينتظر منك ثناءً.

طعامٌ من القلب

ولذلك، لو أردت أن أختصر كل ما حدث في عبارة واحدة، فلن أقول: كانت مائدة عامرة. بل سأقول: كان طعامًا من القلب. فالمحشي كان من القلب. والدجاج كان من القلب. واللحم كان من القلب. والملوخية كانت من القلب. والشوربة كانت من القلب. والكنافة المدلعة كانت من القلب. لكن أجمل ما كان من القلب… هو نادي نفسه، حين حمل كل ذلك إلى مجلسنا. جزى الله أبا جَنّة، وأم جَنّة، وأبناءهما عن هذه المحبة خير الجزاء.

دعاءٌ لأهل البيت

اللهم يا واسع الفضل، بارك للعزيز أبي جَنّة وللغالية أم جَنّة في بيتهم وأيامهم وأرزاقهم. اللهم بارك في نادي وجَنّة وعبيدة وخديجة، واجعلهم قرة عينٍ لأبيهم وأمهم، واحفظهم من كل سوء، واكتب لهم من الخير أوفره، ومن العافية أكملها، ومن السعادة أصفاها. اللهم اجعل هذا البيت بيت تقوى ومودة ورحمة، واجعل ما يخرج منه من طيبٍ وكرمٍ وإحسان شاهدًا لأهله يوم يلقونك.

اللهم كما حمل نادي اليوم حقيبةً أثقلت يديه وأفرحت قلبًا، فاحمل عنه وعن أهله كل هم، وكل تعب، وكل أمرٍ يثقل عليهم. اللهم افتح لهم أبواب رزقك، وبارك لهم في صحتهم وأعمارهم وأبنائهم، واجعل أبناءهم امتدادًا صالحًا لهذا الخير. اللهم لا تحرمهم لذة الاجتماع، ولا دفء البيت، ولا صحة الأحبة، ولا بركة الأيام. واجعل بيننا وبينهم من المودة ما لا تقطعه المسافات، ولا تغيره الأيام، ولا تنهيه الرحلات. اللهم اجزهم عن هذه المائدة وما وراءها من مشاعر بما هو أجمل منها، وأكرمهم بكرمك الذي لا ينفد، وأظلهم بظلك يوم لا ظل إلا ظلك.

ثم بقيت الحقيبة بعد انصراف نادي… لكن الحقيقة أنها لم تبقَ حقيبة. كانت قطعةً من بيتٍ طيب وصلت إلينا. وبعض البيوت، حين يرسلون لك طعامهم، لا يرسلون الطعام وحده. يرسلون جزءًا من قلوبهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top