
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
ثمة أبنيةٍ تشيدها الأيدي، ثم تتركها للريح والزمن، فتأكلها السنون كما تأكل الرمال آثار المارة. وثمة أبنيةٍ أخرى، لا تقوم على الإسمنت والحجارة، وإنما تقوم على دمعةٍ خرجت من قلب محسن، ثم استجاب الله لها، فأقام لها جدرانًا من الطين، وسقفًا من الخشب، وأقام قبل ذلك كله قلوبًا تعمرها الهداية. وأحسب أنني، يوم وصلت إلى ذلك المكان، لم أزر مركزًا إسلاميًا… بل زرت دعاءً قديمًا، ما زال الله يجيب عنه كل صباح.
غادرنا كمبالا، السبت 11 يوليو 2026، وانسحبت المدينة خلف ظهورنا شيئًا فشيئًا، حتى خف ضجيجها، وارتفع صوت الأرض. وكان الطريق يمتد ساعةً ونصف، ولكنه بدا أقصر من الزمن، لأن القلب كان يمضي قبل السيارة، كأن شيئًا في آخر الطريق ينادينا. وحين بلغناه… لم أر مبنىً يتباهى بارتفاعه، ولا مشروعًا يستعرض جماله.
رأيت السكينة. ذلك الجمال الذي لا تصنعه شركات الهندسة، وإنما تصنعه يد الإخلاص. هناك وقف مركز إسلامي حمد بن محمد الشهواني ووالديه وأولاده وزوجتيه، متواضع الهيئة، عظيم الرسالة، كأنما يقول لكل من يراه: إن الخير لا يحتاج إلى ضجيج ليُعرف. مسجدٌ يجمع القلوب قبل أن يجمع الصفوف. وبئرٌ لا يروي عطش الأجساد وحدها، بل يروي معنى الرحمة في النفوس. وبيتٌ صغير للإمام، ولكنه كبير بما يحمله من رسالة. وثلاثة فصولٍ يتردد بينها القرآن أكثر مما تتردد فيها الأصوات. ثم مهاجع أضيفت لتحتضن أبناء القرآن، فكأن البناء لم يزداد مساحةً، بل ازداد عمرًا.
استقبلنا الشيخ الفاضل جاب الله- سوداني-، ومعه ثلاثة معلمين. ولم أر في وجوههم آثار الوظيفة، وإنما رأيت أثر الرسالة. فمن يعيش مع القرآن طويلًا، تذوب من ملامحه قسوة الدنيا، ويصبح في وجهه شيءٌ من الطمأنينة لا تستطيع الكلمات تفسيره. خمسة وأربعون طالبًا يقيمون هنا. لا يقيمون لأن المركز مأواهم… بل لأن القرآن أصبح وطنهم. يبدأ نهارهم قبل أن تستيقظ الشمس. بعد الفجر، تبدأ رحلةٌ لا تنتهي إلا بعد صلاة العشاء. حفظٌ… ومراجعة… وتلاوة… ودروسٌ في العقيدة، والفقه، والسيرة، واللغة. ثم يعودون إلى القرآن، وكأنهم كلما ابتعدوا عنه ساعةً اشتاقوا إليه عمرًا. وثلاث وجباتٍ تُقدَّم لهم كل يوم، لا تُقدَّم بوصفها طعامًا، بل بوصفها جزءًا من رسالة تقول لهؤلاء الصغار: “لا تحملوا همَّ الدنيا… واحملوا كتاب الله.”
ثم جاء المشهد الذي عجزت اللغة عن احتوائه. جلس الصغار. وأطبق المكان على سكونٍ مهيب. ثم انطلقت التلاوة. لم تكن أصواتًا مرتفعة. كانت قلوبًا تتكلم. وما إن شرعوا يرددون متن تحفة الأطفال حتى شعرت أن الكلمات تخرج نقيةً كما يخرج الماء من العين الصافية. كان كل طفلٍ يقرأ، وكأن خلفه أمًا تدعو، وأبًا يتمنى، ومحسنًا لم يره قط، ولكنه يعيش اليوم بصدق دعائه. هنالك فقط… أدركت أن أعظم ما يقدمه المتصدق ليس المال. إنما يمنح إنسانًا لم يولد من أسرته فرصةً ليكون من أهل القرآن. وما أعظمها من أبوة… وما أكرمها من بنوة.
خرجت من المركز، ولم أستطع أن أقول إنني رأيت مسجدًا، ولا بئرًا، ولا فصولًا، ولا مهاجع. لقد رأيت مستقبلًا يُكتب بالقرآن. ورأيت أمةً تُرمم من أول السطر. ورأيت أن الصدقة إذا صدقت نيتها، تجاوزت حدود المكان، وأصبحت عمرًا جديدًا لأناسٍ لم يعرفوا صاحبها، لكنهم سيدعون له ما بقي في صدورهم نفسٌ يقرأ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾.
اللهم يا واسع الفضل والإحسان، تقبل من عبدك الكريم حمد بن محمد الشهواني، واجعل ما بذله عن والديه، وأبنائه، وزوجتيه، صدقةً جاريةً لا ينقطع فيضها، ولا يخبو نورها، واجعل هذا المركز مناراتٍ متتابعةً في صحيفة أعماله، واكتب له بكل آيةٍ تُتلى، وكل حرفٍ يُحفَظ، وكل سجدةٍ تُقام، وكل قطرة ماءٍ تُشرب، وكل طالبٍ يحمل القرآن إلى قلبٍ آخر، حسناتٍ تتضاعف إلى يوم يلقاك. اللهم بارك له في أهله وماله وعمره، واجعل هذا الوقف شاهدًا له يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.