
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
ليس السؤال: لماذا يموت الإنسان؟ فهذا السؤال أجابت عنه الأرض منذ خُلقت، فما من حيٍّ إلا وهو ماضٍ إلى أجله. ولكن السؤال الذي حيّرني طويلًا هو: لماذا يموت بعض الناس، بينما يعجز الموت عن بعضهم الآخر؟ وليس المقصود أجسادهم، فالأجساد كلها سواء أمام التراب. ولكن المقصود ذلك الوجود الخفي الذي لا تراه العين، ولا تلمسه اليد، ومع ذلك يبقى أشد حضورًا من الأحياء.
لقد أدركت بعد رحلة العمر أن الله لم يجعل الخلود معجزةً خارجة عن سنن الحياة، بل أخفاه في مكان لا يلتفت إليه أكثر الناس… أخفاه في الأثر. فالإنسان لا يبقى لأنه عاش طويلًا. ولا لأنه جمع كثيرًا. ولا لأنه اشتهر. إنما يبقى لأن جزءًا من روحه انتقل إلى أرواحٍ أخرى. وهنا يقع السر كله. فليس كل لقاءٍ لقاءً. وليس كل معلمٍ يعلّم. وليس كل أبٍ يورث أبناءه.
هناك رجال لا يعطونك معلومة، بل يعطونك طريقةً جديدة للنظر إلى الحياة. ولا يغيرون قراراتك فحسب، بل يغيرون الضمير الذي يصنع تلك القرارات. وحين يحدث ذلك، لا يعود الإنسان خارجك… بل يصبح جزءًا منك. ومنذ تلك اللحظة، لا يستطيع الموت أن يصل إليه. ولهذا فإن أعظم الناس أثرًا ليسوا الذين أكثروا الكلام، وإنما الذين جعلوا الآخرين يعيشون بكلمةٍ واحدة قالوها، أو خلقٍ واحد مارسوه، أو موقفٍ واحد كشف حقيقة نفوسهم.
إن الفضائل لا تنتقل بالمواعظ وحدها، بل بالمعايشة. فالصدق مُعدٍ. والرحمة مُعدية. والكرم مُعدٍ. والتواضع مُعدٍ. ولهذا كان الرجل الصالح يُنشئ رجالًا صالحين، وهو لا يشعر. كان يظن أنه يحسن إلى شخص واحد، بينما كان، في الحقيقة، يغيّر سلسلةً كاملة من الأرواح ستتوارث ذلك الإحسان جيلًا بعد جيل. ولهذا لا أؤمن أن المعروف ينتهي عند صاحبه. إن المعروف يشبه النهر. قد لا ترى منبعه، لكنك ترى الأرض التي أحياها في طريقه. ولذلك، حين ترى رجلًا وفيًّا بعد ثلاثين عامًا، فلا تمدح وفاءه قبل أن تبحث عمن ربّى فيه هذا الوفاء. فما الوفاء إلا ثمرة. وأما الشجرة، فقد يكون صاحبها تحت التراب منذ زمن.
وعندما سألني أحد أبناء الرجال الذين أحببتهم يومًا: كيف بقيت تذكر والدي بكل هذا الحب؟ لم أجد في قلبي جوابًا يخص رجلًا واحدًا. وجدت جوابًا يخص الحياة كلها. قلت له: لأن والدك لم يمر بي… بل أقام في داخلي. كان من أولئك الذين إذا انتهى اللقاء معهم، بدأ أثرهم. لا يصنعون لك معروفًا تنشغل بشكره، بل يصنعون فيك إنسانًا تنشغل بحفظ جميله. كان إذا تكلم، لم يكن يبحث عن الإقناع، بل عن الصدق. وإذا نصح، لم يكن ينتصر لرأيه، بل ينتصر لما هو حق. وإذا رأى خيرًا في أحد، سقاه ثقةً حتى يكبر. وإذا رأى خطأً، ستر صاحبه قبل أن يعالج خطأه. ولم يكن يترك خلفه مواقف تُحكى… كان يترك بشرًا تغيّروا. وهذا هو الفرق بين من يؤثر في يوم، ومن يؤثر في عمر.
وحين يسأل الناس عن سر الوفاء، فإنهم ينظرون إلى المخلص. وأما أنا، فأرى أن السر يبدأ من المستحق. فالقلوب السليمة لا تمنح هذا المقام مجاملةً. إنها تمنحه لمن علّمها، من غير أن يشعر، أن الإنسان يمكن أن يكون نعمةً يمشي بها الله على الأرض. وهكذا أحمد علام. لم يكن يبحث عن مكانٍ في ذاكرة الناس. فمنحه الله مكانًا في ضمائرهم. ولم يكن يطلب أن يُذكر. فجعله الله حاضرًا كلما ذُكرت المروءة، أو ذُكر الصدق، أو ذُكر الوفاء. وربما لهذا السبب لا أشعر، كلما دعوت له، أنني أُحسن إليه. بل أشعر أنني أردّ قسطًا يسيرًا من دينٍ أخلاقيٍّ لا ينقضي.
بارك الله في كل حيٍّ جعل من أخلاقه جسرًا يعبر عليه الناس إلى الخير، وبارك في كل قلبٍ حمل الرحمة قبل القوة، والصدق قبل المصلحة، والإحسان قبل الجزاء، وجعل من حضوره طمأنينة، ومن كلماته هداية، ومن أعماله نورًا يمتد أثره حيث لا تبلغه خطاه. ورحم الله كلَّ من عاش نظيفَ القلب، صادقَ السريرة، كريمَ الأثر، وجعل من أخلاقه وطنًا آمنًا لمن حوله. رحم الله من كان حضوره سكينة، وكلامه هداية، وصمته وقارًا، وإحسانه لا ينتظر شكرًا، وعطاؤه لا يعرف منًّا ولا أذى.
وبارك الله في كل من غرس في إنسانٍ خلقًا حسنًا، أو أيقظ في قلبٍ أملًا، أو أخذ بيد حائرٍ إلى طريق الحق، أو ستر عيبًا، أو جبر كسرًا، أو علَّم علمًا، أو ربّى نفسًا، أو ترك خلفه رجلًا أو امرأةً أو جيلًا أصلح مما كان قبل أن يلقاه. فهؤلاء لا تنتهي أعمارهم عند آخر نبضةٍ في قلوبهم، بل تبدأ أعمارهم الحقيقية في قلوب الآخرين. يمضي الجسد إلى التراب، ويبقى الأثر شاهدًا لا يشيخ، وتمضي الأيام، وتبقى القيم تمشي بأسمائهم، حتى يصبح ذكرهم دعاءً، وسيرتهم تربيةً، وأخلاقهم حياةً تتجدد في كل من اقتبس من نورهم خلقًا، أو حمل عنهم مبدأً، أو أورثه لغيره.
تلك هي الثروة التي لا تُقسَّم بين الورثة، ولا تنقص بالعطاء، ولا تُقاس بالأرقام، ولا تنتهي بانتهاء الأعمار. إنها الإرث الذي يكتبه الله في صحائف عباده الصالحين؛ أن يبارك في الأحياء الذين يحملون رسالتهم، ويرحم من سبقهم ممن غرسوا بذور الخير، فتظل الرحمة التي زرعوها تمشي على الأرض جيلًا بعد جيل، حتى يلقوا ربهم، فيجدوا أن ما ظنوه عملًا صغيرًا قد صار عند الله أنهارًا من الحسنات لا ينقطع جريانها.