وسط الركام… تمشي الأمُّ ولا تنحني

Getting your Trinity Audio player ready...

وسط الركام… تمشي الأمُّ ولا تنحني

ما كان للهامات أن تنحني… لو كان فينا عزة المسلم.
بيتٌ واحد… لا يُقال، بل يُنزِل الرعد من فوق الجبال، ويُقيم حجّة على من ظنّ أن الشرف قد يُنزع من صدور النساء، أو أن الأمومة قد تنحني تحت نير الاحتلال.

امرأةٌ تمشي…
لا تحمل حقيبة، ولا تجرّ دموعًا، بل تحمل طفلين كأنهما جناحاها، وتخطو بثوبٍ بلّله الدم، لا من زخّات المطر، بل من نيران الخيانة، وفتاوى الصمت، وشظايا العالم المُتفرّج.

هذه ليست لقطة حرب… بل لحظة تجلٍّ تكتبها السماء على جبين الأرض: أن أمةً ما زالت تنجب البطلات، وأن النساء لسن روافد للحياة فقط، بل هُنّ الحياة حين تقف على رُكامها وتختار أن تمضي.

في كل تجعيدة على وجهها، تقرأ سطور المجازر، ونكبات الأمة، وصفقات العار…لكن في عينيها، رغم التعب، ترى قسمًا لا يُنقض:
“لن أسقط… ولو سقط العالم كلّه حولي.”

أتعرف من هذه؟ هذه هي الأمة التي ضيّعها الملوك، وخانها الساسة، ووشى بها الإعلام…
لكنها عادت تمشي اليوم في صورة أم، تعبر الجراح، لا بوصفها ضحية، بل بصفتها راية.

إن كان المتنبي بيننا، لقال:
“إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت لئيمًا خانك.”
وقد أكرمنا الأمم بعزتنا، فخانتنا، لكننا لم نخن أنفسنا بعد…ما دامت هذه الأم تمشي، بثقل العالم على كتفيها، وتقول بعينيها: أنا الوطن حين يخذله الجميع.

كل شبر في ثوبها الممزق يروي قصة: هذا موضع الطلقة، وهذا موضع الطفل الذي نزف، وهذا أثر يدٍ كانت تحنو، ثم تحوّلت إلى درع بشري لنجاةِ حياةٍ أخرى.

هذه الصورة، إن رآها غاندي، لأبكى العالم بنضاله، وإن رآها عمر المختار، لقال: “ها هي ابنة الصحراء لا تركع، حتى ولو اجتمع عليها الزمان.” وإن رآها مالكوم إكس، لصرخ: “هذه امرأة تُعيد تعريف الكرامة من الصفر.”

الركام تحت قدميها ليس حُطامًا فحسب، بل شهادة وفاة لمن ظنّ أن النصر يُقاس بعدد الصواريخ، لا بثبات الأمهات. ومشهدها ليس مجرد مرور من شارع مُدمّر، بل عبورٌ من الذل إلى الخلود، من الانكسار إلى الحكاية، من النسيان إلى الذاكرة التي لا تُمحى، تعبُر، لا لأن الطريق آمِن، بل لأن خلفها روحًا لا تموت، وأمامها جيلًا يجب أن يحيا، تمشي، لا لأنها قادرة، بل لأنها لا تملك خيارًا آخر… إما أن تمشي… أو تموت الأمة.

وفي اللحظة التي خذل فيها الرجال الساحات، وقايض الزعماء الكرامة بالكرسي، عادت هذه الأم تقول للكون: “أنا المعركة… أنا الانتصار… أنا فلسطين كلها تمشي بثوبٍ من دم وأمومة.”

لو انحنت، لانحنى العالم من بعدها… لكنها اختارت أن تمشي منتصبة، بصمت الأنبياء، واحتساب الشهداء، وصلابة الجبال، لا صخرةً واحدة بل جبلاً يمشي، هي لا تسأل: أين العرب؟
لأنها تعرف أنهم في مكانٍ آخر…
لكنها تسأل الله، وتكفيها السماء إذا الأرض خانت.

ما بين قدميها حطام، وما بين يديها حلم، وما في قلبها ملحمة،
ولو صمتت الألسن، فالصور لا تكذب… والدماء لا تُحرّف، والخطى لا تُنسى، ليس في هذا المشهد بطولة مجازية، ولا استعراض شجاعة… بل فيه نُطق الحقيقة بلحمها ودمها: أن الأمّة لا تموت، ما دامت نساؤها لا يسقطن، فمن أراد أن يرى شرف العرب… فلينظر إلى ثوبها. ومن أراد أن يعرف لماذا لا تُقهر فلسطين… فلينظر إلى خطوتها.
ومن أراد أن يكتب بيان النصر… فليكتبه بدمها، لا بحبر المؤتمرات.

ما كان للهامات أن تنحني…
لو بقي فينا عرقٌ ينبض بعزة المسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top