قُبلة على جبين البادية…حيث يسكن الروح وتخاطب الأرض

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في كل مرة تعود فيها إلى البادية، تجد أن شيئًا ما يتغير داخلك، البادية ليست مجرد مكان، بل هي مهد للأفكار والمشاعر، ميدانٌ تتلاقى فيه الذكريات والآمال، حيث يتناغم الإنسان مع الأرض لتنبثق منهما قصة قديمة تُعاد على مسامع الزمن. “قبلة على جبين البادية” ليست إلا محاولة للاقتراب من هذا المكان الذي يعبر عن جوهر الإنسان نفسه، تلك العلاقة الطيبة التي تربط بينه وبين تراب وطنه، لكن التعقيب الذي أتى من صديقي على المقال السابق كان له طعم آخر، يفتح أبوابًا للتأمل أكثر عمقًا في مساحات أكبر من الفهم.

قال صديقي: “قد تكون البادية في بعض الأحيان لا تكترث بما يدور في العالم من حولها، لكن الإنسان في البادية لا يستطيع أن يبتعد عن هذه الذاكرة الطيبة التي يمرّ بها كلما تأمل في السماء الزرقاء أو سمع نداء الرياح في الصباح الباكر”. كلمات بسيطة، لكنها كانت بمثابة مفتاح يعيدني إلى جوهر السؤال: ما الذي يجعلنا نعود دائمًا إلى هذه المساحات الشاسعة التي يملؤها الصمت؟ وكيف يمكن للمكان أن يحمل كل هذه المعاني التي تتجاوز الجغرافيا؟

البادية هي أكثر من مجرد مساحات خالية، هي مساحة للتفكير العميق، هي حالة روحانية تجعلنا نعيد اكتشاف أنفسنا. في كل ذرة من الرمل، وكل نسمة هواء، هناك سرد حكائي مستمر، تلك الرياح التي تهب بلا توقف، كأنها تشاركنا في تفكيرنا، تغذي ذاكرة الأرض وتحمل في طياتها قصصًا عن أولئك الذين ساروا في هذه الأرض قبلنا. إنها ذاكرة الأمة، ذاكرة الزمان والمكان. في تلك اللحظات، تذكرت كلام أحد عظماء شنقيط، المفكر الكبير أحمدو ولد عبد القادر، الذي قال: “أرض شنقيط هي الأرض التي لا تتوقف عن تعليمنا، هي كتاب مفتوح، ونحن في كل يوم نتعلم سطورًا جديدة من عيون هذا المكان”. كان هذا التذكير بمثابة مفتاح آخر لفهم المعنى العميق وراء الارتباط بين الإنسان والباديّة.

حينما نعود إلى البادية، نعود إلى الهدوء الذي يهدأ فيه الفكر المضطرب، حيث لا شيء يعيقنا عن التأمل، كل شيء في البادية يبدو بسيطًا، لكن في هذه البساطة يكمن أعظم درس يمكن أن يتعلمه الإنسان، هي تلك اللحظات التي نعيد فيها ترتيب أولوياتنا، حيث نقف في صمت لا يعكر صفوه شيء، ننصت للرياح التي تعبر فوق الجبال والسهول، نراقب الضوء وهو يلامس الأفق، نغرق في هذا السكون الذي يرافقه شعور عميق بالسلام الداخلي، لكن ما يجعل البادية أكثر من مجرد مكان للتأمل هو كيف تتفاعل العناصر الطبيعية مع الإنسان. في البادية، لا يتوقف الإنسان عن التأمل في التفاصيل الصغيرة، قد تلاحظ كيف يلوح القمر في السماء في منتصف الليل، وكيف تعكس الرمال الذهبية ضوء الشمس في الصباح الباكر، هذه المشاهد ليست فقط تجليات بصرية، بل هي تذكير حيّ بما يختزنه هذا المكان من حكمة. فالبادية، كالشخص، تتحدث بصمت، تعطيك فرصًا للاقتراب من نفسك، لملامسة أسرار لا يمكن العثور عليها إلا في الأماكن التي يحتفظ فيها الزمن بأسراره.

ومن هذا المنطلق، يعود التفاعل بين الإنسان والطبيعة ليكون جوهريًا، تزداد علاقتنا بالأرض قوة عندما نواجه الواقع البسيط دون زيف أو فوضى. وفي هذه البساطة، ينعكس الوفاء للقيم التي قد نغفل عنها في حياتنا اليومية المزدحمة، كانت هذه المعاني هي نفسها التي تجسدها أفكار المفكر والفقيه الموريتاني العلامة محمد سالم ولد عدود، الذي قال في إحدى محاضراته: “إن البادية هي مرآة لروح الأمة، هي المساحة التي تلتقي فيها أفكارنا مع الأرض”.

لقد كان تعقيب صديقي بمثابة دعوة للاستمرار في هذا التفاعل الروحي مع الأرض. في كلمات بسيطة، طرح تساؤلات عميقة حول ما يجعلنا نعود دائمًا إلى هذا المكان، وكيف أن البادية، بكل تفاصيلها، لا تشبع من تعليمنا، هي الأرض التي تقبل أن تعطيك دروسًا عن الحياة إذا كنت مستعدًا لتلقيها. كان هذا التفاعل مع الكلمات كأنه دعوة للغوص أعمق في المعاني، لتحويل التأمل إلى فعل، ولإدراك أن البادية أكثر من مجرد أرض جرداء، إنها شريك في الحياة.

وفي النهاية، إن “قبلة على جبين البادية” ليست مجرد عبارة رومانسية، بل هي دعوة للعودة إلى الجذور، للبحث عن معنى أعمق في الفضاءات التي نغفل عنها، مع كل خطوة نخطوها في تلك المساحات، نكتشف أننا لسنا فقط في رحلة عبر الأرض، بل عبر أنفسنا أيضًا. وكلما ابتعدنا عن ضوضاء العالم، كلما اقتربنا من الحقيقة التي تشكلنا. فالبادية، في صمتها المهيب، تقدم لنا أكثر من مجرد لحظات هدوء، إنها تمنحنا فرصة للقاء مع الذات، والعودة إلى الجذور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top