عندما تغني القلوب

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في زمانٍ ليس ببعيد، وعلى أرضٍ يغسلها المطر وتغني فيها الغابات بألحان الحياة، كُتب لقصة إنسانية أن ترى النور. كانت عام 2010 تحمل لأهل سريلانكا رحيقًا من المودة، حمله إليهم وفدٌ كريم من أسرة قطرية، سطّروا أروع معاني النبل والخير بيدٍ بيضاء وسريرة نقية. لم تكن الرحلة مجرد مناسبة لافتتاح قرية تنموية نُسجت بعرق الكرماء، بل كانت مسرحًا لمشهد إنساني تخلده الذاكرة، مشهدٌ تتنفس فيه القيم النبيلة وتورقُ فيه أغصان المودة على جبين الأرض.

في التفاصيل الدقيقة التي تطرز هذه القصة كما تُطرز ثوب العرس، تجلت روعة الأسرة حين جعلوا لموعد افتتاح القرية السريلانكية حكمةً تفوق العطاء الظاهري. فقد تعمدوا أن تصادف الرحلة إجازة الخادمة السريلانكية التي كانت تعمل لديهم، رغم أنها لم تكن مسلمة، ليجعلوها شريكة حقيقية في يوم الفرح. لم يكن الأمر مصادفة، بل كان خيارًا من النفس الطيبة والعقل المتزن، خيارًا يقول في كل حرف منه إن المحبة أوسع من الحدود والعقائد، وما أروع ما حاكته قلوبهم حين التفتوا بتؤدةٍ إلى تفاصيل صغيرة تكشف عن عظمة نفوسهم. فقد رتبوا للسفر بحيث يحمل كل فردٍ من الوفد، رجالاً ونساءً، حقيبة يدوية خفيفة، وبعضهم لا أكثر من حقيبة أو حقيبتين للشحن، تاركين الجزء الأكبر من الوزن المتاح – والذي جاوز ثلاثمائة كيلوغرام – مخصصًا للخادمة، لتنقل معها ما شاءت من هدايا وأغراض لأهلها وقريتها. لم ينطقوا بذلك صراحة، بل جعلوه عرفًا جميلاً في صمت الكرام، يفيض برسالة حب: “لكِ من عطائنا نصيب، ولكِ من قلوبنا دعاء.”

يا لجمال المشهد حين تقف خادمة بسيطة بين علية القوم، لا فرق بينها وبين من يملك، ولا تمايز إلا بتقوى القلوب ونقاء النوايا. كانت تلك الخطوة رسالة تفيض إنسانية؛ تقول بأن العطاء لا يفرق بين الناس، وأنه في كنف القيم الكبرى، يصبح الجميع أسرة واحدة، تتقاسم الفرحة كما تتقاسم الهموم، ولم تقف اللوحة الإنسانية عند هذا الحد. بل امتدت أنامل الأسرة الكريمة إلى مرافقة الخادمة إلى قريتها البعيدة، محفوفين بالحب والدعوات. كان الطريق طويلاً وعراً، يلتوي كجدائل الريح بين جبال وبحيرات، ولكن لم تكن المسافات الطويلة إلا جسورًا من السعادة الخالصة. ارتسمت البسمات على وجوه الجميع، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، وكأنهم ذاهبون إلى عيدٍ سماوي، يحملون بين أيديهم قناديل من نور، يوزعونها على القلوب. ومن اللافت أن من رافقوا هذه الرحلة لم يكونوا من عامة الناس، بل كانوا من ذوي الوجاهة والوجدان، رجال أعمال وأعيان، ولكنهم تخلوا عن مظاهر الترف المؤقت، وارتدوا ثياب التواضع الحقيقي، وساروا مع الناس مشيًا على الأقدام أحيانًا، وامتزجت خطواتهم بخطوات الفقراء الذين كانوا ينتظرونهم، لا فرق بين كبير وصغير، ولا بين غني وفقير.

يا لها من لوحة تفيض حياة! أيدي الكرام تحمل الهدايا لا بميزان الماديات فقط، بل بميزان النفوس الطاهرة، وأقدامهم تخوض الأوحال لا لشيء إلا ليرسموا على الوجوه التي جهدها الفقر قناديل فرح لا تنطفئ. هناك، في تلك القرية التي كانت إلى الأمس القريب تخطو على حواف النسيان، أشرقت شمس جديدة بفضل الله ثم بفضل قلوب نبيلة من قطر الخير.

وكأنما كلمـات القائل كانت ترن في أرجاء القرية: “الخدمة هي العطر الذي يفوح من القلب الكبير.”، ولقد كانت الأسرة الكريمة تمثل ذلك العطر النبيل، الذي امتد عبقه إلى كل بيت صغير وكل كفٍ ممدودة.

وفي مثل هذا المشهد الإنساني الرفيع، نتذكر قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.”، وكأن هذه الأسرة المباركة قد نذرت نفسها لترجمة هذه الحكمة إلى واقع حي، يتنفس الحب ويزهر خيرًا. وفي ذلك اليوم البهي، تحولت القرية إلى مهرجان حب، خفقت فيه القلوب مع الرايات البيضاء، وتراقصت فيه أرواح الأطفال، وهم يستقبلون الوفد القادم لا من بلاد بعيدة فحسب، بل من قلوب قريبة كل القرب. كانت الخادمة ترى قريتها بعين جديدة، ترى بيتها وذويها وقد امتد إليهم جسر محبة من أرضٍ بعيدة، جسر بُني لا على أساس المصالح، بل على أسس الوفاء والإيثار.

إنها قصة واحدة من آلاف القصص التي لا تُروى إلا نادرًا، لكنها حين تروى تهزُّ شغاف القلب، وتوقظ الإيمان العميق بأن الخير باقٍ ما بقيت الأرواح الطاهرة. دعاء رقراق يهمي من قلوبنا لتلك الأسرة الكريمة ولأمثالها: “اللهم بارك لهم كما باركوا لعبادك، واغمرهم بسعادة لا تزول كما غمروا غيرهم بالفرح النبيل.”
وهكذا علمتنا تلك الرحلة أن الإنسانية ليست شعارًا يُرفع، بل عمل يتجسد في وقت الجدّ، وأن الجمال الحقيقي يكمن في تلك اللحظات التي نتساوى فيها جميعًا تحت سماء واحدة، بقلوبٍ متشابكة بالحب، لا بالقيود ولا بالحواجز، رحم الله زمنًا يمضي وتبقى فيه آثار الخير شاهدة… على أن الأرواح العظيمة، وإن غابت، فإنها تترك للعالم أنوارًا لا تخبو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top