مبادرة نهضوية لبناء الإنسان

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في قلب القارة السمراء، حيث تلتقي الأرض بالسماء على مد البصر، تولد فكرة من نور، تحمل في طياتها حلمًا طويلاً طالما داعب وجدان كل غيور على مستقبل الإنسانية: مبادرة أكاديمية المستقبل للعلوم والتنمية. هناك، في موطن البدايات الكبرى، حيث تختزن التربة ذكريات الإنسان الأول وأحلام الإنسان المعاصر، تنبعث الفكرة رغبةً صادقة في استنقاذ العقول، وإحياء الطاقات، وبناء المستقبل عبر التعليم والتنمية معًا.

أكاديمية المستقبل ليست مبنى مشيدًا بعد، وليست قاعات تزدحم بالطلاب، بل هي حلم ناضج، يخطو خطواته الأولى نحو التحقق. مبادرة علمية تنموية وُلدت من رحم الحاجة، واستنارت بتجارب الأمم والشعوب، مستلهمة من روح الحضارة الإسلامية الخالدة أن النهوض الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان قبل بناء العمران. وهي دعوة مفتوحة لكل من يحمل همّ الأمة، أن يشارك في ولادة مشروع يستحق أن يكون فاتحة مرحلة جديدة لقارة عطشى للعلم والعمل معًا، تقوم الرؤية على تأسيس عشر أكاديميات متكاملة عبر خمسين دولة إفريقية، بحيث تضم كل أكاديمية خمس دول، وتشكل بؤرة إشعاع علمي وتنموي. وتطمح هذه المبادرة إلى أن تكون حجر الزاوية في بناء جيل واعٍ، يمتلك أدوات العصر من علوم شرعية وتقنية وتنموية، قادر على النهوض بمجتمعاته برؤية أصيلة وروح معاصرة.

لقد صيغت الفكرة بعناية، لتجمع بين ترسيخ الهوية الإسلامية السمحاء، وتعزيز المهارات العملية التي تواكب تحديات العصر. فلا تقتصر الأكاديمية على تدريس العلوم الشرعية التقليدية، وإن كانت تحرص على رسوخها، بل تدمج معها علوم الإدارة والهندسة والإعلام والتقنية الحديثة، إضافة إلى برامج تنموية تُعنى ببناء المهارات الشخصية، والقدرات الريادية، وروح الابتكار، ومع وضوح الحلم، جاءت المبادرة أيضًا مدركة لحاجة القارة إلى نوع خاص من الوعي، وعي يزاوج بين معرفة النصوص وفهم الواقع، بين مقاصد الشريعة وإدارة المجتمعات، بين قيم الإسلام الخالدة وإبداع الحلول المعاصرة. ومن هنا، صُممت البرامج لتتضمن أيضًا تأصيلاً هادئًا للتربية السياسية الإسلامية، دون أن تُختزل في شعارات أو تتورط في استقطابات، بل عبر بناء عقلية سياسية راشدة، تدرك معاني العدل والشورى والحكمة وإدارة الاختلاف، وتنشأ على وعي حضاري مقارن يستلهم التجارب وينقدها نقدًا ناضجًا، وفي ظل هذا الإطار المتكامل، تسعى أكاديمية المستقبل إلى رعاية العقول الشابة، لا بتقديم معارف مجزأة، بل بصياغة منهج حياة شامل، يؤمن أن النهضة لا تصنعها العلوم وحدها، بل تصنعها التربية، والقيادة، والإرادة الحرة. فالعلم من دون وعي حضاري لا يبني حضارة، كما أن التنمية من دون قيم روحية لا تصنع الإنسان المتكامل.

إن هذه المبادرة المباركة ما تزال في طور السعي إلى تجسيد الحلم واقعًا، وهي تحتاج إلى الأيدي الحانية التي تؤمن بالرسالة، وتقدم الدعم الفكري والمادي والمعنوي. فبناء أكاديمية بهذا الطموح يتطلب تآزر العلماء، والمفكرين، ورجال التنمية، والمؤسسات الخيرية، والمبادرات المجتمعية التي تؤمن أن إصلاح الأمة يبدأ من إصلاح التعليم، وأن التنمية المستدامة هي في جوهرها تنمية الإنسان.

ومن رحم هذا الوعي، انطلقت نداءاتنا لمن يهمه الأمر: لنجعل من هذه الأكاديمية واقعًا ينبض بالحياة، منارة أمل تتلألأ في عيون أطفال القارة، ومشعل هداية تستضيء به أجيال المستقبل. فإن أعظم صدقة جارية هي بناء العقل، وأجل مشروع حضاري هو بناء الإنسان، أكاديمية المستقبل للعلوم والتنمية، فكرة لم تولد من فراغ، بل هي خلاصة تجارب، ونتاج قناعة راسخة أن القارة السمراء، برغم ما عانته من تحديات، ما تزال تملك أعظم كنوزها: شبابها. شباب عطش للعلم، جائع للمعرفة، تواق إلى غدٍ أفضل.

فلنكن نحن وإياكم شركاء في صناعة هذا الغد. لنجعل هذا الحلم حقيقة تكتب في صحائف الأعمار بمداد من نور. فالأمل لا يموت، طالما هناك من يؤمن بأن بذرة واحدة قادرة على أن تنبت غابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top