الضمير حين يُهندس.. والأثر حين يُصبح أمانة لا ورشة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي


كان حسن فتحي يقول إن البيوت ليست حجارةً تُشيَّد، بل أرواحٌ تُسكَن. وكان يؤمن أن البناء ليس فعلاً مادّيًا محضًا، بل مسؤولية أخلاقية تُمارس كما تُمارس الصلاة بخشوع، ووعي، ونيّة. لقد فهم هذا المعماري النبيل أن الحجر إن لم يُسبك بماء الضمير، لن يُعمِّر، وإن وقف على أقوى الأساسات. في ذات الروح، وقف العقاد يومًا يخطّ: “الأمانة هي ضمير الإنسان الذي لا يُشترى ولا يُستعار.” وهنا، عند التقاء الضمير والفن، عند مفترق الإبداع والمبدأ، يُمكن أن نفهم لماذا تفشل بعض المشاريع الوقفية رغم وافر الدعم، ولماذا تصرخ الجدران أحيانًا بلا صوت، وتتكسر الأرواح قبل أن تُسقَف السقوف.

في إحدى القرى البعيدة من قلب شرق أفريقيا ، حيث لا تصل شبكات المياه، ولا تمُرُّ سيارات الإسعاف، ولا يطرق بابَ الفقراء إلا ظلّ الغياب، كان يقف مشروع وقفي تنموي، خُطط له أن يكون مأوى للمرضى وسكينةً للعجزة وأملاً لامرأةٍ تمشي أربع ساعات كي تداوي ولدها من الحمى. كان المشروع نبيلًا، شريف النية، كأنه وُلد من دعاء أمٍّ في ليلة قدر. لكن النوايا وحدها لا تكفي، ذلك لأن النية لا تُداوي الحُمّى، ولا تُقيم جدرانًا، ولا تُوصل كهرباء، كان التنفيذ مرتبكًا. غابت المواعيد، لم تُرفَع التقارير، ولم تكن هناك طريقة واضحة ليُحاسب أحدٌ أحدًا. فالعاملون افترضوا أن النية تغني عن النظام، وأن الوقف يكفيه الشرف حتى لو خانه الحزم. حين زارت الإدارة العليا المشروع، لم تتكلم الأوراق، بل تكلمت الجدران. بصمتها، بصدوعها، بلونها الشاحب، قالت كل شيء. وعند تلك اللحظة، لم يكن الحزن على الأموال، بل على الأثر الضائع، على المرضى الذين لن يُسمَع لهم صوت، وعلى الأمانة التي فُقدت بين الملفات.

الأمانة، ليست منحة، بل امتحان يومي. والضمير، إن تُرك وحده بلا سياج من نظام، يغفو. ليس لأن القلوب خائنة، بل لأن العمل الجماعي يحتاج هندسةً، لا موعظة فقط. هنا تمامًا تتجلّى الحاجة إلى “هندسة الضمير ” داخل المشاريع، إلى أنسنة النظام وتثبيت القيم فيه كما تُثبت المسامير في أعمدة الحديد، المشروع الوقفي، بخاصة في المناطق التي لا يستطيع فيها المستفيد أن يطالب بحق، أو أن يتتبع معلومة، لا يمكن أن يُدار بنفس منطق المشاريع التقليدية. لا بد أن تكون القيم فيه مؤشّر أداء، لا سطرًا إنشائيًا في وثيقة. حين تُصبح الأمانة “مؤشر التزام زمني”، والشفافية “تقريرًا معلنًا”، والمساءلة “جهةً مستقلةً للمراجعة القيمية”، نكون قد بدأنا أول خطوة في طريق لا يُبنى فيه الوقف فقط، بل يُبنى فيه الإنسان المسؤول عن الوقف.

في المشروع الوقفي حين أُعيدت هيكلة الإدارة، لم تبدأ التغييرات من الورش أو الجداول الزمنية، بل من الفكرة نفسها. تم تعيين “سفير للقيم”، لا سلطة تنفيذية له، لكنه يرفع تقريرًا أخلاقيًا مستقلًا للجهة المانحة، يراقب فيه الانحرافات الخلقية قبل الانحرافات الهندسية. كل زيارة طبية كانت تُختم باستبيان يُوزَّع على السكان لتقييم الأداء، وتُوثَّق اللقاءات بالفيديو – لا للاستعراض، بل للمساءلة. لم تعد الوعود تنطلق من المكاتب، بل من الجداول الزمنية الدقيقة، ولم تعد القرارات تُتخذ لأن “المهندس قال”، بل لأن “النظام ألزم”. في تقاطع هذا المشروع البسيط، مع قيمٍ راسخة، تولّدت معادلة جديدة: المشاريع الوقفية لا تُنجز بالنوايا، بل بالأنظمة المؤمنة بالقيم. فكل جدارٍ لا يُبنى بروحٍ، يُهدم بلا مقاومة، وكذلك، كل مشروع لا يُدار بضميرٍ مُهندَس، سيتكسر على عتبات الوقت والظروف والمجاملات، وإذا كانت الأمانة هي ناموس أخلاقي لا يُفرَض من خارج النفس، فإن إدارتها في عصرنا تستلزم أنظمة تذكّر النفس، وتراجعها، وتحاسبها إن غفلت. لأننا لا نملك رفاهية أن يضيع المشروع بين أيدينا بينما المستفيد لا صوت له، ولا محامٍ، ولا نافذة يشتكي منها إلا الله.
إن أعظم ما يمكن أن يُهدى للمناطق المنسية، ليس مجرد بناء، بل منظومة قيمية تُحسن البناء، وتحفظه، وتُديم أثره. المشاريع التي تُوجّه للمحرومين ينبغي أن تُدار كأن المستفيد هو الله تعالى – مراقبًا، محاسبًا، سامعًا لكل تقصير، حفيًّا بكل جهد.

وختامًا، ليست هذه دعوة لإضافة وحدة “أخلاقيات” إلى الجداول، بل لإعادة تعريف الوقف كله من جديد: الوقف ليس تمويلًا، بل رسالة. ليس عقدًا، بل عهد. وإن كانت الجدران قد نطقت حينًا، فالآن حان الوقت ليتكلم النظام، لا بصوته، بل بصموده، وعدله، وقيمته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top