مدخل الحكاية: من أرضٍ تفوح منها الأنّات… إلى سماءٍ تهمس بالحكمة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

حين صعدتُ الطائرة في نيروبي، لم تكن الخطوة على السلم المعدني كأي خطوة. كان قلبي مثقلاً بمشاهد الأطفال في زنجبار، بأحاديث العجائز التي تُختصر فيها المجلدات، بابتسامة شابٍ حمل مشروعًا على كاهله كأنه يحمل شعبًا. أغلق الباب خلفي، وما أغلقه إلا على جزءٍ من ذاتي… وبقيتْ روحي هناك، تلفّ الأركان، تهمس لجدران المدارس، وتُصلّي خلف الصغار في المساجد المتهالكة، وتكتب على الجدران الممحوة: “كنا هنا لنُجبر.”

في السماء… يُستأنف التاريخ

ما بين نيروبي والدوحة، لم يكن الفضاء خاليًا…كأن الملائكة ذاتها تهمس في أذني، وكأن أرواح الحكماء تصطفّ على جانبي الطائرة، تُملي عليّ وصايا لم تُدوّن.

تخيلت ابن عربي يربّت على كتفي، قائلاً: “لا تسافر لتصل، بل لتتوسّع. فالكون داخلك، وكل أرضٍ هي أنت.”
وسمعت في أذني همسة الجاحظ:
“دوّن يا هذا، فإن اللحظة التي لا تُكتب، قد تموت وإن حلّقت!”
ثم صاح بي سقراط: “كُن ناقد نفسك في السماء، قبل أن تُحاكَم على الأرض.” هنا أدركت أن الرحلة ليست نقلةً جغرافية، بل استدعاءٌ للوعي من سباته الطويل.

الدوحة… ترانزيت أم توقف عند المعنى؟

حين حطّت عجلات الطائرة على أرض الدوحة، شعرت أنني لم أصل بعد، بل بدأت. الدوحة لم تكن مجرد محطة انتظار. كانت اختبارًا. مرآةً صافية علّقت فيها رحلتي بين ماضٍ لم أعد أملكه، ومستقبلٍ لا أجرؤ على تخيّله. جلست في صالة الترانزيت.
وحولي عشرات المسافرين، لكني كنتُ الوحيد العالق في حوارٍ داخليّ لا يهدأ.
سألت نفسي: “هل يُمكن للإنسان أن يخرج من مكانٍ بقي فيه قلبه؟”
“هل كانت زنجبار محطةً عابرة، أم نقطة ارتكاز لرحلةٍ أطول من العمر؟”
“وهل نحن حقًا نُجيد الفراق، أم أننا نتظاهر به؟”

الكوفي في الدوحة… مذاق مختلف لأفكارٍ مختلفة

في مقهى صغير داخل المطار، جلستُ أرتشف قهوتي وكأنها آخر رشفة قبل القيامة. كان في الجوّ عبق الخليج، لكن في القلب عبق أفريقيا.
تساءلت: “كم عَبَر من هنا رجالٌ كتبوا فصولًا من التاريخ ولم نقرأهم؟ وكم مسافرٍ لم يحمل معه سوى نواياه، ففتح الله له أبوابًا لا تُحصى؟”
ثم مرّت بجواري طفلة صغيرة، تضحك دون أن تعرف شيئًا من هذا العالم، فهمست لنفسي: “لعلّ الله يرزقنا من هذه البراءة… ما يجعل الرحلة خفيفة.”

الكويت… المهبط الأخير نحو الكمال

حين نادى المنادي لرحلة الكويت، ارتجف قلبي. لا لأنني سأعود إلى البلد الطيب، بل لأنني أحمل حمولةً لا تُرى… أحمل وجوهًا، ودموعًا، وخططًا، وأحلامًا، ومشاريع، ورسائل لم تُفتَح بعد. في الطائرة من الدوحة إلى الكويت، لم أنم. كانت الأعين مُغمضة، لكن العقل مشغول بما سيأتي. كيف أُترجم الرحلة؟ كيف أُدوّن المعنى؟ كيف لا تكون زنجبار مشهدًا عابرًا؟ بل كيف نُحوّلها إلى نموذجٍ يحتذى، إلى حكاية نرويها لأجيالٍ لم تولد بعد؟

حين لامست الطائرة أرض الكويت… كتب الله السطر الأخير
كأن الأرض نطقت: “مرحبًا بك، لقد عدتَ حاملًا ما لا يُقدّر بثمن…”
كان في الاستقبال، لا بشر، بل مشاعر.
شعرت أن الكمال ليس في الوصول، بل في أن تصل ومعك شيء يستحق أن يُروى. وقلت لنفسي قبل أن أخطو خارج الطائرة: “ربّي، لا تجعل هذه الرحلة تُنسى، واجعلها بداءةً لا نهاية… واجعلني في كل رحلة، أقترب أكثر من إنسانيتي… من حقيقتي… من رضوانك.”

ختام الخواطر: هذه ليست رحلة… هذا إعلان نهوض

ما حدث بين نيروبي والدوحة والكويت، لم يكن رحلة جوية،
بل إعلان ميلاد رؤية، وانبثاق رسالة.
نعم، لم يشهد التاريخ هذه الخواطر، لأنها لم تكن تُكتب بالحبر، بل بالنبض. ولأنها لم تُروَ لتُقرأ، بل لتُعاش. في الطائرة تكتب نفسك من جديد. في الترانزيت تُختبر نواياك.
وفي العودة… تبدأ الرحلة الأهم: إصلاح العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top