ما بعد النية: الأولويات بين التعبّد والفعالية المؤسسية

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

في أحد اللقاءات المؤسسية التطويرية، حيث تجتمع النوايا الطيبة والقلوب العاملة، لاحظ أحد الحاضرين ملاحظة دقيقة خلال حديث المشاركين: معظمهم – ممن أكرمهم الله بحج الفريضة – عبّروا عن رغبتهم في أن يكونوا على صعيد عرفات في العام القادم، وخصّوا الدعاء بأن يُبلّغهم الله تلك الوقفة.
فقال أحدهم في صوتٍ لا يكاد يُسمع: “وكأن العبادات أصبحت تتعلق بالمكان، لا بالأثر.”

كانت تلك العبارة بمثابة شرارة أشعلت في الذهن سؤالًا جوهريًا: هل أصبحنا نقدّم الشكل على الجوهر؟ وهل يمكن أن تنقلب النية الصادقة إلى انشغالٍ غير واعٍ عن الأولويات؟

  • النية الصالحة لا تكفي

قال ابن خلدون في مقدمته الخالدة: “النية الصالحة لا تقوم مقام العمل الصالح، وإنما تُزَيِّنُه وتُوجهه.” ومن هنا نفهم أن النية وحدها لا تصنع الأثر، بل ترتيبها داخل منظومة الأولويات هو ما يحقق النفع الحقيقي. فكم من فردٍ تصدّق بنيّة الخير، بينما أولى به أن يقضي دينه، أو يسد رمق أسرته؟ وكم من مؤسسة تنشغل ببناء مسجد فاخر في منطقة مكتفية، بينما قرية مجاورة تموت عطشًا أو تجهل القراءة؟

  • العبادات ليست تكرارًا.. بل بناء متراكم

يرى العقاد – في تأملاته حول العبادة والتفكير – أن: “التديّن الذي لا يُنتج أثرًا عمليًا يُقوّي الحياة، هو تدينٌ تقليدي قد يتقاطع مع جوهر الإيمان ذاته.” فهل نكرر الحج، أو العمرة، أو الاعتكاف، لأننا نريد الله؟
أم لأننا وجدنا فيها راحة روحية وهروبًا من عناء البناء، وإعادة ترتيب الأولويات؟ هنا تمامًا تأتي الخطورة الإستراتيجية في المؤسسات أيضًا:
أن تستبدل المؤسسات التأثير العميق بالمشاريع المألوفة، أو النشاطات المكررة، لا لأنها الأفضل، بل لأنها الأكثر راحة في التنفيذ.

  • من الذات إلى المؤسسة: التوازي المشروع

كما أن الفرد مطالب بإعادة ضبط أولوياته بين العبادات والنوافل، كذلك المؤسسات تحتاج إلى ما يمكن أن نطلق عليه: “ميزان النية الاستراتيجية” هذا الميزان يُعيد توجيه المؤسسة نحو:
• ما هو الأجدى؟
• ما هو الأكثر تأثيرًا؟
• ما الذي لن يُنجزه غيرنا؟
تمامًا كما قال سايمون سينيك: “ابدأ بالسبب.. وليس بالفعل فقط.”

  • الأولويات لا تُستورد.. بل تُبنى على السياق

في لحظة تخطيط، قد تُدهشك فكرة عظيمة، أو مشروع نفذته مؤسسة مرموقة، فتفكر في نقله فورًا. لكن يُذكّرنا قائل بحكمة عابرة للعصور :
“كل أمر لا يُبنى على طبائع العمران، فهو إلى الفساد أقرب منه إلى الصلاح.” ولذلك، لا يكفي أن تكون الأولوية حسنة في ذاتها، بل ينبغي أن تكون متصلة بالسياق الواقعي، وأن تُبنى على معطيات واحتياج، لا على عاطفة أو تقليد.

  • إعادة التوجيه.. لا إلغاء النية

الهدف ليس تسفيه النوايا أو التشكيك في صفاء القلوب، بل دعوة لتطويرها، كما تتطور الأهداف من عام إلى عام، ومن خطة إلى خطة.
ففي الحياة المؤسسية – كما في النفس البشرية – النية لا تُلغى، ولكن تُعاد هيكلتها داخل جدول الأولويات. ولا يُستنكر أن يتمنى أحدهم عرفات، لكن ربما كانت عرفاته الحقيقية أن يكون مع أولاده، أو في خدمة مشروع تعليمي، أو داخل مؤسسة تنهض بوطن.

  • ومضة ختامية

ليست العبرة بأن تقف على صعيد عرفات، بل بأن تكون عارفًا بأثر وقوفك في حياة الناس. وليست المؤسسة العظيمة هي التي تعمل أكثر، بل التي تختار ما تعمل، متى تعمل، ولماذا تعمل. النية الصادقة وقود، ولكن الاتجاه هو الذي يصنع المسافة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top