|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

في كل عام، يمر يوم عرفة كريحٍ عطرةٍ تمرّ على قلب المؤمن فتُفيقه من سُبات الأيام، لكن هذه السنة… لم يكن يوم عرفة عابرًا، بل كان حكايةً، وكان شهقةً دافئة من عمق الصحبة، سُطرت على مائدة الجمعة، فتحولت فجأة إلى إفطار عرفة يوم الخميس، وتحوّل الطعام إلى سِتر، والدعاء إلى لغة، والصمت إلى عبادة.
البداية… نية سبقت الزمان
منزل أبي عبيدو في الكويت لم يكن تلك الليلة مجرد بيت، بل صار كعبةً صغيرة اجتمعت فيها القلوب على نية خالصة. الدعوة بدأت قبل أسبوعين، همس بها” أبو عبيدو وأبو علي الأصيل “كمن يخطط لفرحٍ روحي لا يشبه الولائم. ومنذ أن خرجت الدعوة، بدأت تتراقص في القلوب، تتجدد كل يوم بنداءات التأكيد، وكأن يوم عرفة لا يكتمل إلا بهذه الصحبة الههياوية الشرقاوية الأصيلة.
كل تأكيد كان بمثابة تمرينٍ على الشوق، على اللقاء، على الذكر. وما إن أقبل يوم عرفة حتى بدت العيون وكأنها تنتظر شيئًا أعظم من الإفطار… كانت تنتظر لحظة التجلّي.
ساعة قبل المغرب… والمكان امتلأ بالسكينة
قبل الأذان بساعة، وُضعت أول نغمة في لحن اليوم: دعاء رقراق، خرج من أحد الحضور، صادقًا كالمطر، رقّيقًا كظلّ نخلة في ظهيرة حجازية. لم يكن دعاءً عامًا عابرًا، بل كان نداءَ قلبٍ يتفقد أحبابه واحدًا واحدًا، يذكر الاسم… ثم ينسج عليه دعاء كأنه مفصّل من حرير الرضا.
ارتجف الجو، بلّل الدمع المآقي، وسكنت الأرواح سكينةً لم يُعرف لها مثيل. كان لحظةً نادرة… كأن أحدهم فتح بوابة السماء وقال لنا: تفضّلوا، هذا وقت القبول.
الإفطار… على تمرٍ وصمت
التمر. الصنف الذي فطر عليه النبي ﷺ، والذي لا يحتاج لتزيين أو ترف.
حباته على الطاولة بدت كأنها مشاعل صغيرة في ليل عرفة. ثم شوربة لحم الموزة، دافئة كالدعاء، عميقة كالمغفرة، وكأن نكهتها تستمد جمالها من التوقيت، من الصمت، من أنها جُهزت بانتظار لحظة المغرب، لا بانتظار مديحٍ بشري.
المائدة… حين تفنن المبدعون
دخلت المائدة بكل وقار، تحمل بين طياتها تاريخًا من المحبة:
• صينية لحم الرأس والعكاوي مع البطاطس، من المبدع الصامت البارع حسن أبو علي. كانت تحفةً حقيقية، كأنها وليمة ملوك جاءت تستأذن لتشارك الصحبة المباركة.
كانت الصلصة ثقيلة كما الذكر، واللحم طريّ كما الدعاء المستجاب.
• صينية الأرز مع المحشي بأنواعه: الكرنب، ورق العنب، الكوسة، من أيقونة التجليات الشرقية أبو مصطفى عبيدو، جاءت بروح أمهات ههيا وقلوب الجدات، تحمل في كل حبة رزٍّ نية، وفي كل لفة ورق عنب حكاية عن الكرم، وفي كل كوسة حكمة عن الصبر.
• الخبز الإيراني… لم يكن مجرّد خبز، بل مرآة لما يليق بهذا المشهد: بسيط، دائري كالرجاء.
ثم جاءت القهوة العربية بذوقها وعبقها، ثم الشاي، ولكن ليس كما نعرفه، بل كان بوابة ختامية لمعراج الذوق، يرافقه صينية الروانة التي لو تحدّثت لأخبرتك عن الجذور، عن الهُوية، عن “الشرقاوية” حين تضع بصمتها في الحلويات، فتطغى الأصالة على السكر، ويغلب الحبُّ الطحين.
المراقبة… بنكهة الحب
على الأطراف، كانت هناك وجوه تتابع المشهد بنشوةٍ صامتة: صالح، حليمة، صلاح… لم يتحدثوا كثيرًا، لكن أعينهم كانت تروي التفاصيل، تحفظها كما تحفظ الملائكة السطور، كأنهم شهود عدل على ما جرى من دفءٍ لا يُوصف.
الغائبون… حضورهم بالدعاء
المائدة افتقدت بعض الأحبة: الدمرداش، أحمد عبيدو، محمد فريح… لكن غيابهم لم يكن فراغًا، بل تم استحضارهم بأسمائهم، وكأن الدعاء مدّ يده من فوق المائدة ليطرق بابهم هناك، حيث هم في سفر، يقتسمون معنا الغنيمة من بعيد.
من نور اللغة إلى روح المعنى
“يوم عرفة”… هو يوم يُختصر فيه العمر، تُوزَّع فيه القلوب على السماء، ويُكتب فيه المصير بين وقفتين: وقفة الدعاء ووقفة الفطر.
وهذه المائدة لم تكن حدثًا في المطبخ، بل كانت موقفًا من مواقف الخلود. كانت تجلّيًا لجملة قالها مصطفى صادق الرافعي: “إن من البيان لسحرًا، وإن من الطعام لما يغسل القلب قبل الجسد.”
وكانت تأكيدًا لمقولة ابن الجوزي: “القلوب إذا اجتمعت على الله، أطعمت الأبدان بركة، وسقت الأرواح صفاءً.”
الخاتمة… حين يصبح اللقاء عبادة
لم يكن هذا مجرد إفطار… كان ترجمة عملية لحديث النبي ﷺ:
“إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر.” وكان أبو عبيدة مفتاحًا فتح به الله بابًا، فدخلنا منه إلى لحظة لا تُنسى. في يوم عرفة، أُهديت القلوب للقلوب، والدعاء للأسماء، واللحم للأرواح…فمن لم يحجّ، فقد عاش الحج في هذه المائدة. ومن لم يقف بعرفة، فقد وقف في عيون من بكت بالدعاء.
هنيئًا لتلك الصحبة…
هنيئًا لتلك اللحظة…
وهنيئًا للسماء أنها رأتنا معًا.