|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في قلب الغابات الكثيفة لشرق إفريقيا، حيث تلتقي روائح البنِّ الزكية مع نداوة الأمطار الاستوائية، تقف مؤسسة رائدة كشاهد حي على معجزة الثقافة التعاقدية. هناك، بين التلال الخضراء، تحوَّل مجتمعٌ يعاني من آثار الحروب الأهلية إلى نموذجٍ عالمي في الالتزام العقدي، حيث تُحترم العقود بين المزارعين والمصدرين كما تُحترم وصايا الأجداد. هذه ليست قصة نجاح اقتصادي فحسب، بل هي ملحمة إنسانية تثبت أن الثقافة التعاقدية ليست مجرد بندٍ في اتفاقية، بل هي روح الحضارة التي تنبض بالعدل والثقة.
اللغة التعاقدية: أبجدية بناء الحضارات
عندما قال أرسطو: “الإنسان حيوان عاقل”، كان يُشير ضمناً إلى أن التعاقد هو جوهر الإنسانية. فالحضارات العظيمة بنَتْ أمجادها على مبدأ “العقد الاجتماعي” الذي تحدث عنه روسو، بينما انهارت إمبراطوريات بسبب انتهاك المواثيق. في سنغافورة، تحوَّلت العقود من أوراقٍ قانونية إلى عرفٍ اجتماعي، فأصبحت الدولة التي لا تمتلك موارد طبيعية من أغنى دول العالم. أما في الصومال، حيث تضعف الثقافة التعاقدية، نرى كيف يتحول الميناء الاستراتيجي إلى ساحة صراع.
وفي المؤسسة بشرق أفريقيا، اكتشفوا أن سرَّ نجاحهم لم يكن في جودة البنِّ فحسب، بل في “عقد الثقة” غير المكتوب بين المدير الذي يدفع الأجر قبل الحصاد، والعامل الذي يعتبر الأرض كأنها ملكٌ له. هذه العلاقة التكافلية حوَّلت مزارعهم إلى ورشة عملٍ إلهية، حيث كل ورقة شجرٍ تشهد على قدسية الوعد.
عظماء صنعوا التاريخ بعقودهم
- هارون الرشيد، الخليفة الذي أبرم عقداً مع ملك فرنسا لبناء أول مستشفى أوروبي.
- مهاتما غاندي حين رفض انتهاك العقد مع المزارعين الهنود فحرَّر أمة.
- ستيف جوبز الذي حوَّل عقود شراء البذور إلى شراكاتٍ استراتيجية مع مزارعي كينيا.
لكن النموذج الأكثر إثارة هو ذلك الذي قدمته رواندا بعد الإبادة الجماعية. فبينما كان العالم يتوقع أن تغرق في الفوضى، أدرك قادتها أن إعادة بناء “الثقة التعاقدية” بين المواطنين هي الأساس. اليوم، تحتل المركز الثاني إفريقياً في سهولة إنفاذ العقود (حسب البنك الدولي).
عندما تصبح العقود دينًا
في مقر المؤسسة علَّق على الجدران شهادات المزارعين الذين حصلوا على قروض دون ضمانات مالية، فقط بناءً على سجلهم في الوفاء بالالتزامات. المدير التنفيذي، بول كاجامي (ابن شقيق الرئيس الرواندي)، يروي كيف أنهم يطبِّقون مبدأ “إبراء الذمة التعاقدية” المستوحى من الشريعة الإسلامية والقانون المدني: “عندما يأتي المزارع ويعترف بأنه لن يستطيع تسليم المحصول في الموعد المتفق عليه بسبب الجفاف، نمنحه تمديداً مجانياً… لأن صدقه في الاعتراف بالعجز أهم من العقد نفسه. هذه الثقة جعلت معدل الوفاء بالالتزامات 98.7%، وهو أعلى من المتوسط العالمي!”
العقد هو الإنسان
الثقافة التعاقدية ليست وثيقةً تُكتب، بل ضميرٌ يُزرع. إنها ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين أوراق القانون وقيم المجتمع. عندما زار الرئيس الفرنسي “أرابيكا”، كتب في دفتر الزوار: “لقد وجدت هنا ما فقده الغرب: احترام الكلمة”. فهل نتعلم من هذه التجربة أن العقود ليست أدواتٍ للربح، بل هي مرايا تعكس أخلاق الأمم؟ قد تكون الإجابة في قول الحكيم الصيني: “إذا أردت معرفة أمة، انظر إلى كيف تحترم وعودها”.