الخلوة والقيادة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

واعلم يا صاحبي… أن أعظم القادة لم يخرُجوا من صخبِ الجموع، ولا من صالات التدريب، بل خرجوا من مدارس الخلوة، هناك حيث تنضج الأرواح، وتُصقل الإرادات، ويُهمس في القلب: “قد اصطفاك ربك”.

لم يكن إبراهيم عليه السلام نبيًا في قلب الجموع، بل لما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، أتاه الوعد، وجاءته البُشرى: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلًا جعلنا نبيًا)
حين اختار العُزلة لله، وهبه الله النسل والنبوة، وكأنه يقول: من يعتزل لأجلي، أعطيه ما لا يُعطى في الزحام.

وزكريا عليه السلام… لم تُبشره الملائكة في ضجيج، بل نادته وهو قائم يصلي في المحراب، وحده… في لحظة مناجاة لا يراها أحد: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى)

وأمُّ عيسى… لما اعتزلت، وهجرت الناس، واتخذت من دونهم حجابًا، كان الحجاب هو بوابة اللقاء (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا)

بل حتى سيد الخلق، محمد ﷺ، لم يُنبأ وهو بين الناس، بل وهو في الغار، حين اختار العزلة عن ضوضاء قومه، وكان يفتّش عن الحق، فآتاه الوحي.

القيادة الحقيقية لا تولد في الضوء، بل في الظل

الضوء يكشفك للناس، لكن الظل يكشفك لنفسك. وهناك فقط… تتعلم القيادة: أن تصمت حتى تسمع صوت ربك، أن تُفرغ قلبك حتى يُملأ نورًا، أن تبتعد لتعود أقرب.

ما الذي تعلّمه القادة من الخلوة؟
1. ترتيب الأولويات: حين تنفرد بالله، تتغير مقاييسك…تعرف ما يستحق العناء، وما لا يستحق.

  1. السمع الحقيقي: في الزحام… تسمع الجميع إلا ربك. في الخلوة… تسمع الله بوضوح.
  2. القرار النقي: القائد حين يختلي، لا يعود صدى الناس، بل يصبح صوت الحق.

وأنت يا صاحبي…كلما خَلَوتَ… غَنِمتَ، وكلما خالطتَ بلا ميزان… حُرِمت. لا تكن عبدًا للضوضاء، ولا أسيرًا للضجيج. ففي الخلوات… يُنقّى الإخلاص، وتُزرع العزائم، وتُعلّم القيادة العليا. وقد أنزل الله أمرًا للناس، يسر به الخلوة، ونبّههم إلى الدعاء، فقال: (ادعوا ربكم تضرعًا وخفية… إنه لا يحب المعتدين)

القيادة ليست منصة… بل محراب

القائد الحق هو من عرف الله في الخفاء، فأظهره الله للناس في النور.
هو من تعوّد السجود في صمت،
فثبّته الله حين علا الصوت. هو من ربّاه الله في الخلوة… ليقود في الجلوة.

اللهم اجعلنا من الذاكرين لك في السر والعلن، وامنحنا خلوة تُورثنا بصيرة، وقيادة تليق بعبوديتك.

بقلم: قلبٍ عرف أن القيادة تبدأ من السجدة، لا من المنصة. مقال عالمي… لأنه صادق، نقي، ويقود القارئ إلى الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top