|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

لم تكن الطائرة التي أقلعت من الكويت إلى إسطنبول في صيف يوليو تحمل على متنها مجرد ثلاثة مسافرين.
كانت تحمل قصة عمر، وتاريخًا مكتنزًا، وأملًا ثقيلًا… وثلاثة قلوب اجتمع فيها صدق الرسالة، ووجع الأمة، وشغف التجديد. كان يمكن للرحلة أن تكون قصيرة، عادية، تمر كما تمر آلاف الرحلات، لكنّ ما حوّلها إلى محطة مفصلية هو أن الحلم لم يكن وليد يوم، ولا نزوة مشروع، بل نبتة نُسيت يومًا تحت رماد العمل الميداني، ثم اشتعلت من جديد بريحٍ من فضل الله.
لم تكن البداية من إسطنبول، ولا من زنجبار، ولا من الورقة التي كُتبت في موريتانيا بل من تلك اللحظة الخفية التي قال فيها أحدهم في داخله: “ماذا بعد؟ هل ستبقى التجربة في صدورنا؟ أم نحولها إلى علمٍ يُورّث، وأثرٍ لا يموت؟“هناك في إفريقيا، تحت شمسٍ كانت تأخذ أكثر مما تعطي، غُرست أولى البذور، ومع كل خطوة، لم يكن الفريق يترك أثرًا فقط، بل يكتب فلسفة العمل بصمت: أن الخير لا يكفي أن يُفعل… بل يجب أن يُبنى، يُنقل، ويُفهم.وفي لحظة تأملٍ بين الغيم والضوء، قال أحدهم: “ليست السمعة أن يُشار إليك بالبنان… بل أن يُسند اسمك إلى فكرةٍ تثبت في الزمن.” فذكرني بكلمات العقاد: “ليس ما يصنع الرجال ما يعرفونه، بل ما يؤمنون به.”
الإيمان… هو ما جمع بين هؤلاء الثلاثة، إيمانٌ بأن من يقود مؤسسةً ناجحة، لا يُكافأ بإجازة… بل يُختبر بمشروعٍ أعظم.
وأن من يرى نورًا، لا يكتفي بأن يسير نحوه… بل يصبح جسرًا لغيره كي يعبر. في إسطنبول، حين جلسوا في بيتٍ كريم مع مؤسس الجامعة، لم يكن الحديث عن أرقام أو مباني أو هياكل، بل عن الأرض التي تستحق أن تكون وطنًا للتعليم، عن فلسطين التي تحتاج جامعة تنطق باسمها، عن الأجيال التي تستحق أن تتخرج من رحم الشرف لا من زوايا الاستضعاف. ولأن الأفكار النقية لا تموت، فبعد أقل من شهرين، جاءت دعوة زنجبار…مدينة الروح والعطر والتاريخ، وهناك، في أربعة أيام، جلسوا كما جلس الأولون، يُقرّرون لا باسمهم، بل باسم الغد.
كتبوا… الإطار الاستراتيجي، عقد الشراكة، الخطة التشغيلية، نموذج المتابعة. لكن الورق لم يكن جامدًا، كان نابضًا.
كانوا يكتبون بأقلامٍ مغموسةٍ في ذاكرة إفريقيا، وفي تعب المؤسسات، وفي آهات اللاجئين، قال الرافعي ذات يوم: من ضاق قلبه، ضاق عليه العالم، وإن كان في اتساع السماء.” لكن هؤلاء لم يضق صدرهم يومًا، وسِعتهم التجربة، فوسّعوا أفق الفكرة، حتى صارت الجامعة في عقولهم ضرورة، لا خيارًا. ثم جاء موعد الرحلة الثانية إلى تركيا. لكن الرحلة لم تكن تكرارًا، بل انتقالًا من الحُلم إلى العهد. لم يذهبوا ليكتشفوا، بل ليوقّعوا… ليس توقيعًا بالحبر، بل بالعزم، والمسؤولية، والمصير.
وفي الطائرة، وهم يتحدثون عن السمعة، عن القيادة، عن المؤسسات، عن اتحاد الجمعيات الخيرية، كانوا لا يخططون لمشروع، بل يُنقّبون في طبقات الوعي الجماعي: ما الذي يصنع النجاح؟ هل الفكر وحده؟ أم الفريق؟ أم التجربة؟
أم كما قال ابن خلدون: “الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالعمارة، والعمارة بالعدل، والعدل بالإمام، والإمام بالشرع، والشرع لا يُقام إلا بالدنيا”؟