حين عادت الحياة إلى البيت.. حكاية مائدة وحضور

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

في زوايا البيوت، ثمة لحظات لا يمكن قياسها بالوقت، ولا تُختزل في الصور، لأنها تُروى بالرائحة والضحكة، وتُكتب بالدمعة الدافئة، وتُعاش بكامل القلب. هكذا كان قدوم الأهل، كأن البيت تنفّس من جديد بعد شتاءٍ طويل، وانفرجت النوافذ عن شمس لم تطلع منذ زمن. جاءت أم الحبايب، وعادت الروح، وازدان البيت بعبيرٍ لا تصنعه العطور، بل تصنعه القلوب التي تمشي على الأرض خفيفة كالدعاء، دافئة كالوطن.

ما إن وطئت قدماها عتبة الدار، حتى تبدلت ملامح المكان. كأن الجدران تراقصت فرحًا، وكأن الأرائك تنهدت سرورًا، وكأن المطبخ نفسه جهّز نفسه باكتمال الشوق. دخلت أم الحبايب لا كزائرة، بل كمن تعود إلى مملكتها بعد غياب، كمن تُعيد ترتيب النبض في قلب أبناءها دون أن تنبس بكلمة. فلا عجب إن قال العقّاد: “الأم هي الوطن الأول، والحنان المقيم، والسكينة التي لا تُشترى.” إنها سكينة الأم التي لا تُفسَّر، سكينة عرفت طريقها إلى الأرواح قبل المقاعد، قبل الصحون، وقبل الشوربة التي بدأت رائحتها تسرق القلوب قبل الأعين.

كانت المائدة الأولى نشيدًا من الحنين. شوربة لسان العصفور، بنكهتها الدافئة، تنساب في الحلق كما تنساب الذكريات، وكأنها تروي الحكايات القديمة التي كنا نسمعها عند أقدام أمهاتنا ونحن صغار، نترقب الملعقة التالية وكأنها وعد. إلى جانبها، طبق اللحم الذي بدا كأنه نُقل من موائد عيد الأضحى، بل هو العيد بذاته، مطهوٌّ بالحب لا بالنار، متبلٌّ بالنية الطيبة لا بالبهارات وحدها. ثم جاءت صينية الثريد، بعبق التراث، تحمل عبق الصحراء ونبل الكرم العربي، تسيل معها بركةٌ من زمن الجود الذي لا يُقاس بالكيلو ولا بالسعر.

وفي الزاوية الأخرى، كان الأرز الأبيض ككفن الطهر، بسطته الأم وكأنها تبسط السلام، ووضعت الملوخية الخضراء كأنها تنشر الخصب في أرواحنا، ثم السلطة الخضراء التي لا تشبه طبقًا، بل بستانًا صغيرًا فيه نعناع القلب، وخسّ التسامح، وطماطم الفرح.

أما المائدة الثانية، فكانت رحلة عابرة للثقافات. المحشي بكل أنواعه: الكرنب المدهون بدقة، الباذنجان الذي تشعر أنه تهيأ لذلك اليوم منذ أسبوع، العنب والفلفل الصغير وقد التفوا في صحنهم كما يلتف الأحفاد حول جدتهم حين تبدأ الحكاية. أما “الدمعة” – طبق اللحم بالصلصة – فقد كانت بحد ذاتها قصيدة، تقطر سُقياً وتقطر حناناً، وكأنها تقول: هذا لحم من طبخته بقلبها، لا بملاعقها.
من قال إن الأمهات يطبخن فقط؟!
إنهن يكتبن تاريخ البيت بالملعقة، يرصّعن ذاكرتنا برائحة الملوخية، وينسجن علاقاتنا الاجتماعية بقدْر المحشي. وصدق من قال: “إن أكثر الأشياء رسوخًا في الذاكرة ليست الكلمات، بل ما نشعر به حين نأكل طبقًا صنعه من يحبنا.”

أم الحبايب لم تحضر لتطهو فقط، بل لتعيد الاتزان إلى ميزان الحياة. حضورها كان بمثابة إعلان أن البيت، مهما كبُر، يظل طفلًا في حضرة أمّه. كل شيء عاد بسيطًا، دافئًا، مطمئنًا: الضحكات، الهمسات، الدعوات التي تنطلق بين طبق وآخر، كأن الدعاء جزء من التقديم، حين يتناول الجميع الطعام في وجودها، لا أحد يتحدث عن إنجازات العمل، ولا عن هموم السياسة، بل يتحدثون عن “هل أضفتِ الكمون؟” و”ما شاء الله، هذه نكهة جدتي!” وهنا سرّ العظمة، أن يعود الجميع أطفالاً، حالمين، متصالحين مع كل ما حولهم، حتى مع ذواتهم.

البيت لا يُقاس باتساع مساحته، بل بمدى ما يحمله من أرواح عزيزة. واليوم، كانت أم الحبايب الروح التي نزلت علينا كالمطر، دون موعد، لكنها كانت منتظرة. جعلت من كل غرفة دعاء، ومن كل زاوية عطاء، ومن كل طبق رسالة حب عميقة لا تُترجم إلا بلغة الأمهات.

وإذا كان محمود درويش قد قال يومًا: “وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافرًا، إنه مكان أضع فيه رأسي وأرتاح.” فأنا اليوم أقول: وطني طبق شوربة صنعته منى الملاح ، ومائدتان من خيرها، وهمسة دافئة تقول لي: “كل، فقد تعبتُ لأجلك.”

أم الحبايب، حضورك عيد، ولمّتك بركة، وطعامك دعاء يؤكل، وبسمتك وطنٌ يُختصر في لحظة. فلا عجب إن ازدان البيت بعودتك، وسكنت الأرواح، وتبدلت الأنفاس من تعبٍ إلى رضا، ومن فراغٍ إلى امتلاء. اللهم أدم علينا بركة الأمهات، ونعمة وجودهن، ولا تحرم قلبًا من ضحكتهن، ولا بيتًا من عطائهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top