|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

بقلم: محمد تهامي
في مثل هذا الوقت من العام، لكن قبل أكثر من ستة عقود، كانت الأرض تُدوِّن سطرًا جديدًا في دفتر الخلق، حين خرجتُ إلى النور لأول مرة. واليوم، وأنا أبلغ الثانية والستين، وأطرق باب الثالثة والستين، أشعر أن هذا العام ليس مجرد رقم جديد يُضاف إلى سجل الأعوام، بل هو انحناءة وقفة، ومقام تأمل، وميلاد وعي جديد يتجاوز الأرقام إلى جوهر الرحلة. لقد قضيتُ نصف هذا العمر تقريبًا في أرضٍ لم أُولد فيها، لكنها احتضنتني كأنني ابن ترابها: الكويت. لا تُقاس بالأيام، بل بما حفرته من مشاهد ومواقف وشخوص، وبما تركته من أثرٍ ناعم على الروح، خفي لكنه عميق… كالهواء، لا يُرى، لكنه حياة.
المحطة الأولى: بين قريةٍ وكتاب
كانت البداية في مصر، حيث تنشقّت أول أنفاسي بين أزقةٍ ضيّقةٍ وعلاقاتٍ دافئةٍ تُشبِه الطين إذا اختلط بالماء: صادق، مُتَّسق، وضروري. ترعرعتُ بين أمٍ تهمس بالدعاء، وأبٍ يُربّي بالصمت أكثر من الكلام، وجدرانٍ كانت تُعلّمنا أن القليل كثير، إذا وُضع في يدٍ حامدة، وقلبٍ قنوع. في مدرسة النصر الابتدائية، لم أكن الأول في الصف، لكنني كنت الأول في مراقبة الحياة. كنتُ أرى كيف تلمع عينا أبي وهو يعود من عمله، كيف تُطفي أمي الأنوار وهي تردد الأذكار، وكيف يبكي الجيران إذا مات لهم جار. كانت الحياة درسًا مفتوحًا، والناس معلمون بلا شهادات.
المحطة الثانية: الهجرة إلى المعنى
الهجرة ليست دائمًا انتقالًا جغرافيًا، أحيانًا هي انتقال روحي نحو معنى أكبر. حين حملت حقيبتي لأول مرة متجهًا إلى اليمن، لم أكن أحمل فقط أوراقي الرسمية، بل كنت أحمل قلبي، وهويتي، وأملي في أن أُسهم في شيءٍ أوسع من حدود الذات. ظننتها بداية عمل، لكنها كانت بداية حياة. تعلّمتُ أن الغربة تُعطيك هدية نادرة: أن ترى نفسك من الخارج. أن تُعيد تشكيلك من جديد. أن تصنع لنفسك بيتًا من المعاني لا من الطوب، وصحبة من القيم لا من المصالح. كانت المكاتب، والمساجد، والمقاهي، والطرقات، والمؤسسات، فصولًا في مدرسة لم تُكتب في مناهج. كل لقاء كان درسًا، وكل اختلاف كان اختبارًا، وكل نجاح كان مدفوعًا بكثير من الدموع الخفية والتوكل العميق.
المحطة الثالثة: في محراب المسؤولية
لم تكن السنوات تمرُّ عبثًا. كنتُ أترقى من وظيفة إلى أخرى، لا بدافع الطموح فقط، بل بدافع الشعور أن الإنسان إن لم يكن ذا أثر، فهو هامش في كتابٍ لا يُعاد قراءته. شرفتُ بالعمل في مواقع شتى، من سكرتارية إلى مشاريع إلى إدارات، إلى استشارات وكل مرحلة كانت تُعيد ترتيب أولوياتي. أدركت أن العمل ليس عبادة فقط حين نُخلص فيه، بل حين نربط نتائجه بما بعد هذه الحياة. كنت أُردد لنفسي قول ابن القيم: “كلما كان القلب أكثر حبًا لله، كان أكثر انشغالًا بما يُرضيه.” وهكذا كنتُ أحاول أن أُوازن بين السعي والتوكل، بين الحزم والرحمة، بين التوجيه والتعلُّم.
المحطة الرابعة: بين أبناء الروح القلب
لم أكن وحدي في هذه الرحلة. كانت هناك أرواح مشَتْ بجانبي، وقلوب سكنت قلبي. زوجة تُشبه السكينة، تشارك الدعاء قبل العشاء، وتسأل عن البعيد وكأنه جار الباب. وأبناء، لم يكونوا امتدادًا جينيًا فقط، بل كانوا امتدادًا روحيًا يُذكّرني كل يوم أن الزمن يُقاس بنوع الحب الذي نُورِّثه، لا بعدد الأعوام التي نعيشها.
المحطة الخامسة: بين د. الشنقيطي وابن عطاء
في هذا العمر، تُصبح الحكمة زادًا لا ترفًا. كنت أقرأ للدكتور محمد المختار الشنقيطي حين قال: “الشيخوخة الحقيقية ليست في الجسد، بل في الروح التي تُقلع عن السؤال.” وهذا ما لا أريده لنفسي. أُريد أن أستمر في السؤال، في السعي، في الإصغاء إلى نداء الحق ولو من صوتٍ هامس في زحام الدنيا. وأجدني كثيرًا ما أعود إلى كلمات ابن عطاء الله السكندري: “رُبّ عمرٍ اتسعت آماده، وقلتْ أمداده، وربّ عمرٍ قليلةٌ آماده، كثيرةٌ أمداده.” فالمسألة ليست كم عشت، بل كيف عشت، ومع من، ولأجل ماذا.
المحطة السادسة: حين صار السفر مرآة الروح
طفتُ في عمر الوعي بين خرائط لا تجمعها الجغرافيا وحدها، بل يجمعها شغف اللقاء بالإنسان في تنوعه، وحكمة السير في أرض الله الواسعة. من موسكو الباردة، حيث يُصبح الصمت لغة، إلى الجمهوريات الإسلامية التي ما زالت تحنّ لنداء المآذن وسط زخم الحداثة، إلى شبه القارة الهندية حيث تتشابك الروحانيات مع الحياة اليومية، وتُصبح البساطة لغة الفطرة، مررت بجنوب شرق آسيا، فوجدت في تواضعهم أناقة داخلية، وفي خُطاهم المرسومة على الأرصفة معانيَ التأمل والرضا. أما إفريقيا، فقد كانت لي دفاتر من نور، من جيبوتي إلى تنزانيا، ومن السودان إلى غانا، رأيت القلوب تُصلّي قبل أن تتكلم، ووجدت في فقر الإمكانات غنى القيم، وفي بساطة الوجوه عمق الإنسانية. كل بلد كان نافذةً لا على حضارةٍ فقط، بل على نفسي. كنتُ كلما ركبت طائرةً أو عبرت مطارًا، أشعر أنني أقترب من ذاتي أكثر، لا أبتعد عنها. أدركتُ أن السفر لا يُنضجك لأنه يُريك العالَم، بل لأنه يُريك نفسك في مرآة العالَم.
العام 63: لا يزال الضوء ممكنًا
وأنا أفتح بوابة العام الثالث والستين، لا أحمل حنينًا فقط لما مضى، بل شكرًا. ولا أنتظر ما هو آتٍ بتوجس، بل بتسليم، وثقة أن ما عند الله خير. لا أريد أن أُراكم إنجازات، بل أن أُوزّع أثرًا. لا أبحث عن ذكرى تُقال، بل عن دعوة تُرفع. ولا يشغلني أن أكون الأول في قائمة، بل أن أكون عند الله ممن “لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.
وختامًا… ها أنا ذا، في الثالثة والستين، لا أشعر بثقل السنين، بل بثِقل النعمة. الرحلة ما زالت مستمرة، وربما أجمل فصولها لم تُكتب بعد. أحمل قلمي لا لأكتب نهاية، بل لأُوقظ بداية جديدة. فما دام القلب ينبض، وما دام الدعاء يصعد، وما دامت نية الخير حاضرة…فإن العمر، مهما طال، لا يُقاس بالزمن، بل بالزخم.