دبلوماسية في التاريخ الإسلامي: بين فقه الرسالة وأشواك الواقع (من عهد الراشدين إلى غزة… ما لها وما عليها)

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

عندما تُصبح الكلمة جزءًا من العقيدة

ليست الدبلوماسية في الإسلام فنّ المراوغة، ولا حيلة المجاملات… بل هي باب من أبواب حمل الرسالة، حين لا يُسمح للسيف أن يتكلم.
إنها فقهٌ نابع من قلب الشريعة، وعقلٍ يُوازن بين المقاصد والمآلات، وشجاعةٍ تُحسن الصمت كما تُحسن الكلام. يُعرّفها الغرب بأنها فنّ تحقيق المصالح بأقل التكاليف، أما في الإسلام، فكانت دائمًا فنّ نصرة الحق بأطهر الوسائل. قال ابن تيمية: “السياسة ما كانت موافقةً للشرع، فإن خالفته فهي فساد، لا سياسة.”
ولذا، كانت الدبلوماسية في صدر الإسلام روحًا من الوحي، ثم صارت عقلًا سياسيًا راشدًا في يد الخلفاء والعلماء والولاة، وتحوّلت من رسائل مكتوبة إلى معاهدات تُنقذ أممًا، أو تُنذر بحروب.

عهد الراشدين: حين كانت الكلمة أصدق من السلاح

في زمن الخلفاء الراشدين، لم تكن هناك وزارات خارجية، ولا سفراء مقيمون، بل كان هناك رجالٌ يحملون ضوء الرسالة في قلوبهم، وصدق النية في قراراتهم. بدأت الدبلوماسية الإسلامية برسائل النبي ﷺ إلى الملوك، لا لمجرد الدعوة، بل لتأسيس قاعدة أممية تقول: هذا الدين لا يعيش في الظل، بل يُخاطب العروش ويواجه الطغاة.

وفي عهد عمر بن الخطاب، بلغت السياسة الإسلامية قمتها الأخلاقية، وظهر ذلك جليًا في العهدة العمرية لأهل إيلياء، التي لم تكن وثيقة أمان فقط، بل إعلانًا حضاريًا بأن الإسلام لا يحكم فقط، بل يحفظ كرامة الآخر.
وهنا، يقول عبد الرحمن الكواكبي: “السياسة الراشدة لا تستقوي بالسيف، بل تستقوي بالحق.”

العصر الأموي والعباسي: حين توسّعت الأرض، واتسعت الرؤية

مع تحوّل الدولة الإسلامية إلى إمبراطورية مترامية الأطراف، باتت الدبلوماسية ضرورة وجودية.
أنشأ الأمويون دواوين التواصل مع الأمم، ونسجوا علاقات مع الروم، والصينيين، والفرس، والترك، ثم جاء العصر العباسي، حيث بلغت الدولة ذروة الانفتاح، وتحوّلت بغداد إلى قلبٍ نابضٍ بالسياسة العالمية.
هارون الرشيد، بعلاقته مع شارلمان، لم يكن مجرد حاكم يبادل الهدايا، بل رمزًا لحضارة تتعامل مع أوروبا بنديّة ثقافية وسياسية.

لقد بدأت الأمة تتقن لغة الاتفاقات دون أن تتنازل عن الهوية، وبرزت طبقة من العلماء – السياسيين، الذين فهموا أن فقه الواقع لا يقل عن فقه الأحكام.

العصور الوسطى: دبلوماسية الصبر أمام سيوف الفرنجة والمغول

حين جاء الغزو الصليبي، ثم اجتاح المغول العواصم، كان السيف لا يكفي وحده. فجاءت الدبلوماسية الإسلامية كفنّ للبقاء، لا مجرد مراوغة. مارسها صلاح الدين الأيوبي بحكمة استثنائية؛ يفاوض من موقع القوة، ويوقع من أجل حفظ الأرواح لا من أجل إرضاء العدو. وفي مواجهة المغول، استخدم المماليك دبلوماسية التريّث، وتمزيق صفوف العدو بالتحالفات، وفهم عميق للزمن السياسي. الدبلوماسية هنا لم تكن كلمات تُلقى، بل حربٌ مؤجلة بذكاء، وبوابة لنصر طويل النفس.

الدولة العثمانية: دبلوماسية الإمبراطورية الكبرى

مع بزوغ العثمانيين، دخلت الدبلوماسية الإسلامية مرحلة احترافية جديدة. تم تأسيس أول نُظم السفارات الدائمة، وأُنشئت أجهزة خاصة للشؤون الخارجية، وكانت معاهدات العثمانيين مع أوروبا تُكتب بروح الخلافة، لا بمنطق الدولة فقط كانت المفاوضات مع فرنسا والنمسا وإنجلترا جزءًا من استراتيجية متقدمة لحفظ التوازن، ودرء الخطر، وإدارة لعبة الأمم باقتدار.

لكن، حين بدأت القوة تضعف، تحوّلت بعض تلك المعاهدات إلى أبوابٍ للهيمنة الأجنبية، وسقطت بعض أدوات الدبلوماسية في فخ التكرار، وغاب التجديد عن خطاب الأمة في وقتٍ كانت أوروبا تُراكم فيه أدوات السيطرة الناعمةكما قال محمد عبده: “السياسة التي لا تنهض بالفكر، تذبل كما تذبل الأوراق في الخريف.”

تحليل نقدي: ما لها وما عليها

ما لها:
• أثبتت قدرة الإسلام على مخاطبة العالم بالحكمة لا بالغزو.
• ساهمت في حماية الأمة في أزمنة ضعف وحصار.
• صاغت تقاليد للتفاوض، حفظت بها الكرامة والمصالح في آنٍ واحد.

وما عليها:
• أخفقت أحيانًا في تجديد لغتها وأدواتها بما يواكب المتغيرات العالمية.
• دخلت في بعض المراحل في منطق التنازلات لا التوازن.
• فشلت في بناء ذراع ناعم (فكري، إعلامي، ثقافي) يحمي المكتسبات الدبلوماسية.

الدبلوماسية في غزة: حيث يسقط الكلام وتبقى الحقيقة

وفي غزة اليوم، يُختبَر هذا الميراث كله. فلا السفارات حركت ساكنًا، ولا المؤتمرات أوقفت قصفًا، ولا البيانات أغنت عن دمٍ يُسفك على الهواء.غزة كشفت أن كثيرًا من دبلوماسيتنا الحديثة تحوّل إلى طقوس شكلية، تقفز فوق المأساة، وتُحاكي العالم بلغة لا تشبه أوجاع أهلها. إن الدبلوماسية التي لا تعرف كيف تتكلم باسم طفل تحت الأنقاض، ولا تفهم كيف تفاوض لأجل كرامة وطن محاصر، ليست دبلوماسية، بل تواطؤ ناعم. وكما قال مالك بن نبي: “لا قيمة للأصوات إذا لم تكن وراءها قلوب حيّة.”

هل آن أن نُعيد الروح إلى السياسة؟

لقد علمتنا الرسالة أن الكلمة الصادقة أقوى من الصاروخ، إن خرجت من قلبٍ صادق، وصدّقها فعلٌ مسؤول. نحن لا نحتاج إلى زيادة عدد السفارات، بل إلى زيادة منسوب الصدق والبصيرة في من يمثلنا، وإن الأمة التي أنجبت عمر بن الخطاب، وصلاح الدين، وهارون الرشيد، وسليمان القانوني، لا تعجز أن تنجب اليوم دبلوماسيين من طراز الرسالة، لا من طراز البروتوكول.

فيا أبناء الأمة، لا تكتفوا بأن تكتبوا التاريخ، بل اسألوا أنفسكم: هل فينا اليوم من يكتبه من جديد… بكلمةٍ تشبه الحديبية، أو عهدٍ يُنقذ غزة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top