رحلة طيران… أم رحلة إلى الداخل؟

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

على ارتفاع خمسة وثلاثين ألف قدم… كنت أحادثني

في مقعدي قرب النافذة، والطائرة تشقّ زرقة السماء، كنت أنظر إلى الأرض وهي تتوارى شيئًا فشيئًا. لم تكن هذه رحلتي الأولى في الجو، لكنّ شيئًا ما في هذه الرحلة بالذات كان مختلفًا. كأنّ قلبي انفصل عن الجسد، وقرر أن يهمس لي أخيرًا، دون تشويش، دون ضوضاء، دون مواعيد تُربك الإصغاء.

أغمضت عيني، وبدأ الصوت يعلو من داخلي… نفسٌ أعرفها وأجهلها، كأنها تُطلّ عليّ بعد طول غياب. قالت لي النفس: “ما الذي تُطارده؟ أهو الوصول أم الهروب؟ أتحمل معك تذاكر كثيرة، لا تُحجز في المطارات، بل تُحجز في الذاكرة: رحلات مؤجلة… علاقات غير مكتملة… ووعود لم تُغلق كما يجب.”

تنفست بعمق، والسحاب يمرّ جواري كما تمرّ أيام العمر، سريعًا، أبيض، ولا يُمسك. قلت لها: “أُسافر لأرتّب أفكاري… لأهرب من الزحام… لأبحث عن معنى أضعتُه في روتين لا يرحم.” فأجابتني: “وما يدريك أن الهروب ليس هو الزحام نفسه؟ ما قيمة التحليق إن كنتَ تحمل معك أثقال الأرض كلها؟”

فتحت عينيّ ونظرت عبر النافذة. كل شيء يبدو صغيرًا… الجبال، المدن، الطرق… حتى الهموم. من هذا العلوّ، تنكشف الحقائق بلا زخرفة… كم كبرنا أوهامًا كانت صغيرة، وكم صغّرنا أشياء كانت عظيمة. سألتني نفسي: “من أنت حين لا يُراقبك أحد؟ من أنت خارج الصور، والمناصب، والأدوار؟ هل تحب نفسك حقًا… أم فقط تحبّ من يظن بك خيرًا؟” كان سؤالًا جارحًا. أدرت وجهي ناحية المقعد الآخر، كأنني أخشى أن يراني أحد وأنا أواجهني… لكن لا مفرّ في السماء، لا مفرّ من الصدق حين يحاصرنا على ارتفاع لا يُكذب فيه البصر.

قلت لها بصوت داخلي متعب: “أشتاق للطمأنينة… لا أعلم أين فقدتُها.” قالت: “ربما تركتها خلفك حين استبدلتَ السجود بالتسرّع، والذكر بالتصفح، والعلاقات العميقة بالردود السريعة.” “ربما أضعتها حين كُنت أقرب لكل أحد، وأبعد عن ذاتك وعن خالقك.”

هنا شعرتُ أن الطائرة ليست وحدها التي تُقلع… شيء بداخلي بدأ يتحرّر… كأنني في مصعد روحي، يصعد بي فوق جراحٍ كنتُ أظنها لا تُشفى. ثم قالت نفسي بصدق: “أنت لا تحتاج إلى وجهة جديدة… بل إلى نية نقية. لا تحتاج إلى أرض جديدة… بل إلى قلب جديد.” “اكتب صُلحًا مع نفسك… اغفر لها ما جهلت… واعتذر منها عمّا أهملت… وعدها أنك ستكون في الرحلة القادمة أخفّ وزنًا… لا حقائب أكثر، بل روح أصفى.”

أذن قائد الطائرة بالهبوط. عدنا إلى الارتفاع العادي، إلى الأرض، إلى الواقع، إلى هواتفنا التي ستحملنا من جديد إلى العالم. لكنني كنت أعلم أن شيئًا ما قد تغيّر. رحلتي لم تكن من مطار إلى مطار… بل من غفلة إلى يقظة. خرجتُ من الطائرة كما لم أدخل… بداخلي عهدٌ جديد مع نفسي: ألا أسمح للأرض أن تُطفئ ذلك النور الذي رأيته في السماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top