نداء القباب الأربع.. حوار لم تشهده إسطنبول

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

القسم الأول: همسُ القِباب في ليل المدينة الصامت

في ليلة إسطنبولية ساكنة، حين يُغلق البحر عينيه، وتنام الأسواق، وتخفت أقدام العابرين… تتكئ النجوم على أعمدة النور في مآذن المدينة، ويغدو الليل بطانًا للروح، كأن الكون كله يستعد لمشهد لم يُكتب في سفر الزمان بعد. لم تكن الريح تهب، لكنها كانت تنصت… ولم تكن القباب تتكلم، لكنها كانت تُسمَع. في تلك الساعة الموصولة بين الأمس والآن، تجلّت أربعة قباب، لا كأحجار ولا أبنية، بل كـ”أرواح ناطقة” من تاريخ هذه الأمة. وحدها إسطنبول، المدينة التي جمعت المتناقضات، كانت تستطيع أن تُنصت لهذا الحوار الخالد.

صوت أول… خرج من عند أسوار أيوب:أنا أول الواصلين… وأقدم الراحلين. جئت قبل أن يولد النصر، ودفنت قبل أن ينبت الفتح. أنا أبو أيوب… الأنصاري… ضيف رسول الله في المدينة، وضيف روحه في هذه المدينة.”

تكلّم بصوت تُغلفه الألفة والحنين، كما لو كان يحمل عبير المدينة المنورة في صدره. قال: ” ما كنتُ أحلم أن أكون حيث وعد الحبيب. لكني أردت أن أموت على أعتاب الوعد، فدفنوني هنا، تحت جدارٍ ظنوه بيزنطيًّا، لكنه كان يومًا سيكون إسلاميًّا.”

صمت قليلًا، ثم أكمل بصوتٍ كأنّه دعاء نائم منذ ألف عام: ” لما دفنوني هنا، كانت القلوب ترتجف من طول الطريق…
ولم أكن أدري أن الفاتحين سيستدلّون بي كما يُستدل على النجم في ليل الغربة.”

صوت ثانٍ… ارتجّ له الفضاء من الشرق إلى الغرب:أنا من رفع الله بي راية النبوءة، أنا الذي فتح الله على يديه المدينة التي وُعد بها نبيّه، أنا محمد بن مراد… الملقّب بـالفاتح.”خرج الصوت من قبة عظيمة تتوسّط إسطنبول، كأنها نبتت من عزم لا يعرف التراجع. قال:ما كنت إلا عبدًا نادى في ظلمة القلب: ‘يا رب، بلغني ما وعدت به حبيبك.’
فأخذ الله بيدي، وفتح لي الأبواب التي أقفلتها الملوك والأباطرة.” ثم التفت إلى أيوب قائلاً:يا شيخ الأنصار… كنت قبلة قلبي حين دخلت المدينة، سجدت على عتبتك قبل أن أسجد على عتبة القصر، لأنك كنت دليلًا على أن النبوة لا تموت، وأن الوعد الإلهي لا يُخلف.”

صوت ثالث… خرج بنعومة من تحت أنامل الفنّ:أنا السلطان الذي رفع لله بيتًا، فرفعني الله بالذوق والجمال.
أنا أحمد، الذي أراد أن يُزهر الدين كما يزهر الورد على الطين.” خرج صوته من القبة الزرقاء، مزدانًا بنور الفجر وماء البوسفور، كأنّه لا يتكلم، بل يرفع صوته بالإنشاد تعبدًا لله. قال: حين بُنيت، كان الهدوء قد ملأ المدينة بعد صخب الفتح،
فجعلت من كل بلاطة، وكل قطعة خزف، صلاة تتجلّى في الفن.” قيل إنني نافستُ آيا صوفيا… لكنني لم أنافس إلا قلبي، أردت أن أُرضي الله ببناءٍ يجعل العيون تسبّح قبل أن تفتح أفواهها.”

صوت رابع… كان مختلفًا، متردّدًا، لكنه عميق:أنا من وُلد كنيسة، وكُتبت فيَّ الأناجيل، ثم دخلت الإسلام من باب الفاتحين، وسجدت لله كما لم أسجد من قبل.” أنا آيا صوفيا… بيت الأسرار، ومعبر الحضارات، أنا الذاكرة التي لا تموت، حتى لو أغلقوا أبوابي.” ثم قال بصوت فيه مرارة العزل ولذّة العودة:شهدتُ الصلبان والمآذن، واحتملتُ الدعاء والترتيل على اختلاف اللغات. لكن قلبي لم يعرف الراحة إلا في سجادةِ صلاة، حين دخل المسلمون فطهّروني من الزمن.”وأقسم أني ما عُدتُ مسجدًا في هذا الزمان، إلا بعد أن بكى فيّ التاريخ طويلًا، فغسلني الله بدموع المحبين، وأعاد لي اسمي، وهويتي، وسجدتي.”

سكون… ثم همس مشترك: صمت الأربعة… لا صمت غياب، بل صمت تأمل، كأنهم يتأملون المدينة التي بين أيديهم،
ينظرون إلى الجيل الذي لم يسأل القباب يومًا عمّا بداخلها. فقال أبو أيوب:ما بال هذه الأمة تنظر إلى المآذن ولا ترفع الأكف؟!” وردّ الفاتح: ربما نسوا أن النصر لا يهبط من السماء إلا حين ترفعه الأيدي بالدعاء.” وقال أحمد السلطان:ربما ظنوا أن الجمال يكفي وحده دون عبادة، لكن الفن إن لم يُصلّ، فهو زخرفة بلا روح.” وقالت آيا صوفيا:بل إنهم خلطوا بين التاريخ والإرث، فتركوا القباب كصور، ونسوا أنها كانت قلوبًا تسجد.”

القسم الثاني: حديث الروح، وحنينُ القباب إلى الأمة

كان السكون قد أثقل المدينة، لكن في قلوب القباب الأربع، تثاءب التاريخ، وبدأ حوارهم يرتقي من الذكرى إلى النداء،
من الحنين إلى عتاب الحُبّ.

وقف أبو أيوب، شيخ الروح، وقال: “يا أحبابي في الله، إني أسمع أنينًا يأتي من بعيد… كأنه نداء من الشام… أو صدى من أقصى الأرض، أتسمعون؟” أصاخت القباب، ثم قال السلطان أحمد: “سمعت… والله سمعت، نداء طفل يقول: أين أنتم؟
ونبض أمّ تقول: أما زال في أمتكم عُمر؟”

قال محمد الفاتح، صوته يحمل وهج الغزوات ووقار العلماء: ” ذلك النداء من القدس، من ترابٍ مشت عليه الأنبياء،
ويُداس اليوم أمام سكون الأقلام وغفلة الأعين.” صمت، ثم أكمل بأسى: ” يا أمةً بُشّر بها رسول الله، كيف عميَ البصر عن قِبلة المعراج؟ ألم تقرؤوا أن النبوة مرّت من هناك، ثم استقرت بين أيديكم؟!”

قالت آيا صوفيا، وقد بلّلتها دمعة من السماء: ” أنا عرفت العزل، وعرفت العودة، لكن ما أشد أن ترى القِباب تُهدم، والمآذن تُصمت، ويُذبح التاريخ على مرأى القلوب الباردة.” ثم التفتت إلى أحمد السلطان وقالت: ” ألم تبنِ أنت قبابك لتكون مواساةً للمحرومين؟ فلماذا نسينا أن الجمال الحقّ لا يُنجز إلا إذا حمل رسالة؟

قال أحمد السلطان، بصوت الفنان العابد: كنت أضع قطعة الخزف في جدار المسجد، فأبكي وأقول: اللهم اجعلها شاهدة  لي ، لا عليّ.” لكنهم الآن يصوّرون المآذن، ولا يركعون فيها، يبنون القباب، ولا يبكون تحتها… فكيف نسأل السماء؟!”

قال أبو أيوب الأنصاري، الحكيم النقي، وقد غمره النور: أذكر يومًا، حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الغار، كان معه أبو بكر، وكان قلبه مع الأمة لا مع ذاته.” ” وما كنت أنا سوى أنصاري… رأيت في الإسلام دعوة، وفي الحبيب رحمة، فقلت: يا رب، لا تجعل قدمي تخطو بعده في غير سبيله.” ثم أطلق أنفاسًا ممتدة كالدعاء، وقال: لكن أين الأنصار اليوم؟ أين من يُعطي ولا يسأل؟ أين من إذا سمع عن أرملة أو يتيم أو مظلوم، قال: دَعوه لي… لله.”

صمت الجميع… ثم قال محمد الفاتح بلهجة الأمراء الصالحين: ” إن الإنفاق في سبيل الله هو أول الفتح، والبكاء على الأرواح لا يُجدي ما لم تصحبه الأيدي الممدودة.” ” أنا لم أفتح القسطنطينية بالسيف فقط، بل بدعاء أمّي، وصدقاتنا في السرّ،
وبعزائم من صاموا وقاموا حتى أصبح الجهاد راحة، لا مشقة.” “أما اليوم… فالأموال مكدّسة، والقلب قاحل…والأمة تُنفق في الزينة، وتبخل في الزكاة.”

قالت آيا صوفيا، وقد اتسعت حدقتها كأنها تتأمل قرونًا: ” رأيتُ ملوكًا وقفوا في طابور العدل ليؤدوا زكاةً، ورأيت قومًا يظنون أن الذكرى تكفي عن الفعل… لكن يا أحبتي، الذكرى بلا إنفاق، كدعاء بلا خشوع.”

ثم أضافت: ” نريد من هذه الأمة أن تخرج من صورتها، وتعود إلى حقيقتها… أن تُنفق، لا لتُمدح… بل لتُغاث بها أرواحٌ أنهكتها الحاجة.”

قال السلطان أحمد: ” أنا بنيت على الجمال، نعم، لكن ما معنى الجمال إن لم يحتضن الجائع؟ وما قيمة الزخرفة، إن لم تؤوي من بها همٌّ أثقل من الحجارة؟” ثم أطرق رأسه، وقال: ” كنتُ أظن أن الناس سيفهمون أن المساجد مَواطن للمسؤولية،
لكن بعضهم جعلها متحفًا للتصوير، لا منبرًا للإحياء.”

قال أبو أيوب بنبرةٍ رجاء: “فلنُناديهم… فلنُناديهم جميعًا، لا كمعالم، بل كأرواح، فلنقل لهم: عودوا إلى مساجدكم، عودوا إلى سجاد صلواتكم، عودوا إلى جيوبكم التي امتلأت، وقلوبكم التي جفّت.”

عندها… تحوّل همس القباب إلى نداء، نداء بلغ الروح، لا الأذن، نداء كأنّه دعاء أربعة أنبياء، لا أربعة مساجد. فقالت القباب الأربع: ” يا أمة محمد… أعيدوا للقباب رسالتها… وللركعات معناها… وللدموع طريقها… فالله لا يُعبد بالصورة، بل بالحضور…لا يُنصر الدين بالأغاني، بل بالبذل والتضحية.”

صمت الأربعة… لا صمت غياب، بل صمت تأمل، كأنهم يتأملون المدينة التي بين أيديهم،
ينظرون إلى الجيل الذي لم يسأل القباب يومًا عمّا بداخلها.

فقال أبو أيوب:

ما بال هذه الأمة تنظر إلى المآذن ولا ترفع الأكف؟!”

وردّ الفاتح:

ربما نسوا أن النصر لا يهبط من السماء إلا حين ترفعه الأيدي بالدعاء.”

وقال أحمد السلطان:

ربما ظنوا أن الجمال يكفي وحده دون عبادة،
لكن الفن إن لم يُصلّ، فهو زخرفة بلا روح.”

وقالت آيا صوفيا:

بل إنهم خلطوا بين التاريخ والإرث،
فتركوا القباب كصور، ونسوا أنها كانت قلوبًا تسجد.”

القسم الثالث: وصايا القباب… وسِرّ الحب الذي لا يموت

سكنت المدينة قليلًا… ثم تنفّست، كأنّها استجابت لنداء القباب، وكأنّ المآذن خفقت بقلوبها لا بأصواتها. في تلك اللحظة، تساءلت القباب الأربع بصوت واحد، كأنّها تريد أن تسلّم ما تحمله من أمانة، وأن تنطق بالوصية التي لم تُكتب بعد.

قال محمد الفاتح، وكان في عينيه بريق لم تخفت حرارته منذ قرون: ” إنا قد بلّغنا… وها نحن ننتظر من يحمل بعدنا.
فمن لهذا الطريق يا أحباب؟ من للقدس بعد دموعنا؟ من للمحرومين بعد أوقافنا؟ من للعلم بعد مدرستنا؟
من للجمال بعد حرفنا؟”

ردّ عليه السلطان أحمد، وقد بدا وكأن قبابه كلها انحنت خشوعًا: ” ما من مسجد يُبنى، إلا وتُسأل فيه الأرواح عن نيّتها…
هل بُني ليتعالى، أم ليُعلي؟ هل شُيّد ليتجمّل، أم ليحتضن؟ وها نحن نسأل: من بعدنا من يبني للناس سُكنى للروح، لا متحفًا للسياح؟”

قالت آيا صوفيا، التي تعرف معنى التحول والانقلاب: ” أنا أعرف طعم الخذلان، وأعرف كيف يكون الدينُ حزينًا حين يُغلق بيته. لكنّي أيضًا أعرف أن الله لا ينسى. وأن الحبّ الذي يُزرع لله لا يموت.” حين عُدتُ مسجدًا، رأيت في عيون العائدين ما لم تره القصور في عيون الملوك. دمعة واحدة من طفلٍ سجد في محرابي، كانت أثمن من ألف تاج ذهبي.”

قال أبو أيوب الأنصاري، وقد علا صوته بالبِشر: ” أنا غُرستُ على مشارف المدينة نبوءةً، وكان جسدي دفينًا تحت أقدام من سيأتون، لا من كانوا معي. فليعلم أحفادنا: أن طريق الله طويل، وأنّ الشرف لا في اللحظة… بل في المسير.” ثم قال: ” كونوا أنصارًا وإن لم تأتوا المدينة، فإنّ كل مدينة فيها مظلوم… تستحق أن تكون مدينة رسول الله.” ” وابنوا كما بنى الفاتح…
وأنفقوا كما أنفق الصالحون… وتفننوا كما صنع السلطان أحمد… واثبتوا كما صبرت آيا صوفيا.”

قال محمد الفاتح، بصوت يختلط فيه الحزم بالرقة: ” إن لم تحبوا دينكم أكثر من راحتكم… فلن تقوم لكم راية. وإن لم تكونوا أنتم الحُماة، فلا تلوموا الزمان إن سرق قدسكم، وهدم مساجدكم، وأغرق دموعكم.” ثم استدار إلى القباب وقال: “هل سنظل نحن نتكلم؟ أم آن للجيل أن يتكلم نيابة عنّا؟”

رفعت القباب الأربع أعينها نحو السماء، كأنّها تسأل: “يا رب… مَن للأمانة بعدنا؟ فإذا بنجمٍ صغير، ينحدر من بين غيوم إسطنبول، ثم يُضيء فجأة فوق مسجد محمد الفاتح، كأنّ السماء تهمس: سيأتي جيل… لا يعرف اليأس.

قال السلطان أحمد، يرقّ صوته كلحنٍ أبكى قلب معمار: “الذين يحبون الله، يبنون له بيتًا في الأرض… ويحملون له حبًّا في القلب… ويؤمنون أن السجدة هي بداية الطريق، لا نهايته.” ثم قال: ” وصيتي لكم يا أهل هذا الزمان… لا تتخلوا عن القباب التي تبكي، ولا عن الركعات التي تشفي، ولا عن القلوب التي لا تُقفل أبوابها عن الناس.”

قالت آيا صوفيا، وصوتها يُشبه عناقًا طويلًا: “الهوية تُسرق بصمت، والكرامة تُباع بهدوء… لكن من أحبّ الله حقًا، يحفظ ذاكرته بدمعه، ويُعيد ما سُرق بصبره، ويُنبت من الرماد عاصمةً جديدة للإيمان.”

قال أبو أيوب، وهو يُغلق عينيه كأنّه يعود إلى راحة السكون: ” إن متنا جسدًا… فنحن أحياء في كل سجدة،
وكل دمعة، وكل نداء لأجل القدس.”

قال محمد الفاتح، بصوته الأخير: ” بلّغوا من بعدكم… أنّ القباب لا تموت، وأنّ الصوت الذي خرج من قلوبنا هذه الليلة،
سيظلّ يرنّ في ضمير كل من أراد للحق أن يعود.”

ثم… سكتوا. لكن المدينة لم تسكت. فمنذ تلك الليلة، كانت هناك نسائمٌ لا تُرى، تمرّ على المساجد الأربعة، وتُبكي الحجارة، وتُوقظ النائمين، وتُهمس في أذن كل مؤمن: “قم… فإن أمة تنتظر سجدةً تُعيد مجدها.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top