حين ينام الطفل واقفًا

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم تكن الصورة “لقطة”… بل نشيدًا حزينًا التقطه الزمن وسكبه في عدسة.
طفلٌ فلسطيني، رأسه مثقَل بوعاء معدني يحتمي به من شمسٍ تستعر في رأسه كما تستعر الحمم في قلوب من بقوا أحياء.
غفا واقفًا، وذراعاه متدليتان كجناحين مكسورين، كأنهما يقولان:
“أنا لست نائمًا… بل منهكٌ من الانتظار.”

أيُّ كوكبٍ هذا الذي ينام فيه الطفل واقفًا؟ وأيُّ إنسانيةٍ تلك التي تمرُّ من أمامه دون أن تتعثر بدمعته؟ وأيُّ قلوبٍ لا تذوب إذا علمت أن هذا الرأس الصغير المرهق لم يجد وسادةً سوى ذراعٍ معدنيّة، وخوذةً من طنجرةٍ قديمة؟

بين الوعاء المعدني وسماءٍ مثقوبة

لم يضع هذا الطفل خوذةً معدنية لأنه يلعب “الجيش واللصوص”، بل لأنها الحقيقة الموجعة: في غزة، الطنجرة ليست للطعام فقط… بل للاحتماء من الموت.

حيث يتحوّل كلُّ شيء إلى درع

يصبح الحائط مأوى، والرغيف حصنًا، والوعاء خوذةً لعلّ القذيفة تخجل أن تخترق معدنًا صدئًا فوق رأس طفلٍ نائم. لو علم هذا العالم، الذي يتبارى في نظريات حقوق الإنسان، أن الطفل الغزّي لا ينام على مخدة، بل على نداءات أُمّه، وعلى حُلمٍ مؤجَّل، وعلى أرضٍ تحته قابلة للانفجار في أية لحظة، لربّما تنفّس خجلاً قبل أن يتحدّث عن “الحضارة”.

غفوةٌ على حافة البركان

نام الطفل واقفًا. وكأن جسده أعلن العصيان: “إن لم تنم الأرض، فدعوني أغفو أنا.” غفوةٌ قد لا تدوم أكثر من دقيقة، لكنها تختصر أعوامًا من القصف والخوف والنزوح والحرمان.

هل سمعتم يومًا عن طفلٍ ينام واقفًا؟
هل تخيّلتم أن النوم، أبسط حقوق البشر، قد يُمارس خلسةً فوق جدار؟ غفوة الطفل هذه ليست نومًا…
إنها رسالة.

رسالة مكتوبة بجفنه المرتخي، وبعظامه النحيلة، وبيديه المتدليتين فوق سياجٍ من الألم: “أنا لست بخير… ولكنني لم أمت بعد.”

الطفولة حين تُصادَر على الهواء

في البلاد التي تشرق فيها الشمس على الألعاب والمراجيح، يكتب الأطفالُ أمانيهم في دفاتر ملوّنة، ويتعلّمون العدّ عن طريق قطع الحلوى. أما في غزة، فالطفولة تُحتَسَب بالانفجارات، والأيام تُعدّ بالهدن المؤقتة. في غزة، لا يكتب الطفل أمانيه… بل يحفرها على الرمل قبل أن تأتي دبّابة تمحوها. لا يعدّون الحلوى، بل الجثث.
ولا يجلسون في الصفوف الدراسية، بل في طوابير الإغاثة.

هذا الطفل النائم واقفًا هو طفولة العالم التي طُردت من الجنة. طفولة سُرقت في وضح النهار، أمام عيون البشرية، بلا مقاومة من ضمير.

إلى الذين ينظرون ولا يبصرون

لا تقل لي إنك “تأثّرت بالصورة”. فالتأثّر لا يُرجع الميّت، ولا يرمّم الذاكرة.
بل اسأل نفسك:
• كم مرةً مرّت صورتهم أمامي ولم أُحرك ساكنًا؟
• كم طفلًا يجب أن ينام واقفًا حتى أستيقظ أنا من غفلتي؟
• من الذي يجب أن أكونه… حتى لا أكون مجرد متفرجٍ آخر؟

في كل مرةٍ تُنشر صورة كهذه، تشتعل في القلب نيرانٌ لا يطفئها الحزن.
لأن هذا الطفل لا يحتاج دموعًا تُسكب عليه، بل أمّةً تنهض له. أمةٌ تُدرك أن العدالة لا تُستورد من موائد الغرب، بل تُزرع في القلوب وتُسقى بالوفاء.

سُرقت فلسطين… فسُرقت الطفولة

حين سُرقت فلسطين، لم تُسرق الأرض فقط، بل الزمان أيضًا. توقف عمر الأطفال عند لحظة القصف الأولى، وكأنهم مجمَّدون في مشهد لا ينتهي. وهذا الطفل واحدٌ منهم.

رأسه المثقَل تحت الطنجرة، هو رأس أمةٍ بأكملها فَقَدت توازنها. ويده المتدلية، هي يدنا التي لم نمدّها. ونومه العابر، هو حلمُنا المؤجل بأن نكون شيئًا لا يُخجل التاريخ.

بين محمد الدرة… وهذا الطفل

أتذكرون محمد الدرة؟
الطفل الذي أطلق على العالم أول صرخة دم منذ عقود، وهو في حضن أبيه؟
كان عمره 12 سنة… وهو الآن عمرٌ بحاله في قلوبنا.
لكن اليوم، هناك ألف “محمد الدرة” يقفون وحدهم، بلا كاميرا، بلا شهود، ينامون واقفين، يصرخون صامتين، كأن كل طفل في غزة يقول: “أنا الدرة، لكن ما من يدٍ تحميني.”

أوقفوا الزمن… هذا طفل لا مشهد

لا تُمروا من فوق الصورة مرور الكرام. لا تقولوا: “كم هو مؤلم”… ثم تمضوا. أوقفوا الزمن للحظة.
انظروا جيدًا في تفاصيل الوجه. في الزاوية الخفيفة بين الجفن والخدّ، هناك حلمٌ صغير… ربما بلعبة.
ربما برغيف دافئ. ربما بشيءٍ لا يُسمّى، لكنه غالٍ على طفلٍ لم يعرف من العالم سوى اسمه: “الحصار”.

هل من يُنقذ الضمير؟

في الختام، ليس السؤال: من ينقذ غزة؟ بل السؤال: من ينقذ الضمير العالمي الذي نام قبل أن يغفو هذا الطفل؟ نام واقفًا…
لكنّه أيقظ فينا أشياءً كثيرة:
أيقظ الخجل، أيقظ الذنب،
أيقظ السؤال: هل فعلتُ ما يكفي؟ أم أنني أحد الذين مرّوا، دون أن يضعوا يدهم فوق كتفه، وقالوا له:
“نم بسلام، نحن هنا.”

ختامًا: أيها الطفل، نم واقفًا… لكن اعلم أن الغفوة التي نمتَها قد أرّقت الضمائر النائمة فينا، ولعلها، كما قال مالك بن نبي، تُفجّر في الأمة “القابلية للصحوة”، بعد أن كادت تموت تحت ركام القابلية للاستسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top