حين صلّى الإمام بالضحى عند المغيب في “إيّا صوفيا”

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

ما بين أذانٍ يختلط بصدى التاريخ، ونبض قلبٍ يكاد لا يصدق، وجدتُني واقفًا أمام أبواب “إيّا صوفيا” للمرة الأولى، لا كزائرٍ عابرٍ يشتهي التقاط صورة، بل كروحٍ جُرَّت من أطراف الزمن، وعادت، كي تؤدي ركعتين في حضرة ألف عام من التحوّلات. لم تكن هذه الزيارة مجرّد لحظةٍ في تقويم الرحلات، بل كانت كأنّما كُتب لي أن أمشي على أسطر التاريخ، لا بجوار الجدران، بل بين الأروقة التي ما زالت تحتفظ بندوب الزمن، كما يحتفظ الحكيم بجراح قلبه كي لا ينسى الحكمة.

دخلتُ المسجد قبيل المغرب بلحظات، والسماء تميل إلى لونها الذهبي الحزين، كأنها تستعد لوداع آخر يوم في حياة منفية. وكان كل شيء ساكنًا إلا قلبي. المكان مهيب، لا لأنه شامخ بقبابه، بل لأنه شهد ما لم تشهده قلوب الأمم. هنا تهجّى قسطنطين إنجيله، وهنا ركع الفاتح، وهنا تلا المؤذن الشهادتين فوق قبابٍ طالما رنَّت فيها الترانيم. سجدتُ بقلبي قبل أن أركع بجسدي. غمرتني مهابةٌ تُشبه ما وصفه ابن القيم حين قال: “إذا امتلأ القلبُ من محبة الله خشع البدن كله”. وكان قلبي ممتلئًا، لا بمحبة الله فقط، بل بخشوع اللحظة، ومقام الزمان، وبهاء المكان.

حين أذّن المؤذن، لم يكن صوته مجرد دعوة إلى الصلاة، بل كان أشبه بإيقاظ ذاكرة الأرض. ونظرتُ إلى الإمام يتقدّم، وحين كبر، أحسست أن الزمان توقف. وفي الركعة الأولى، قرأ بصوتٍ شفيف: “والضحى. والليل إذا سجى”. فالتفتُّ إلى نافذةٍ كانت تنثر بقية نور المغيب على الرخام. كانت الآية ليست وصفًا للكون، بل تجليًا له. الضحى أمامي، والليل يسجى من خلفي، وأنا بينهما ككلمةٍ في منتصف جملة، لا تدري إن كانت ستُختتم بنقطة أم بعاصفة.

ثم ركع، وركعت، وسجد، وسجدت، حتى إذا قام للركعة الثانية، قرأ: “ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك” … وهنا، لم أعد في “إيّا صوفيا”، بل في غار حراء، أستمع لجبريل وهو يربّت على فؤاد النبي، ويزيل عنه ضيق الدعوة ووهج الطرد. يا الله… أي إمام هذا الذي يربط أول الصلاة بضحى النبوّة، وثانيها بشرح الصدر؟ وأي مكان هذا الذي يتحوّل فيه المغرب إلى فجرٍ معنوي؟! ما بين الضحى والانشراح، سُكب في قلبي سكونٌ لم أذقه منذ سنوات. لا أدري كيف انتهت الصلاة، لكنني بقيت في مكاني طويلًا، أشعر وكأنّما جرت مياه جديدة في عروقي، وكأنّ إيّا صوفيا لم تكن مبنًى حجريًا بقبّةٍ وسقف، بل مصلّى للقلوب العتيقة.

في إيّا صوفيا، لا يمكن للمرء أن يكون محايدًا. إما أن ينحاز لتفاهة السياحة، أو ينحني بخشوع الذكرى. فالخطو في أروقتها، كما قال علي شريعتي، “ليس مرورًا فوق الأرض، بل عبورٌ في طبقات الروح”. وهنا، في هذه القاعة التي شهدت التعميد والفتح، الترانيم والتهاليل، تعلّمتُ درسًا لا يُلقّى في الكتب: أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه قادرٌ على أن يجعل من الكنائس مساجد، ومن السقوط قيامًا، ومن الظلمة نورًا.

لم يكن الفاتح يفتح مدينة حين دخل القسطنطينية، بل كان يفتح صفحةً جديدة في كتاب الإنسانية، كانت إيّا صوفيا عنوانها الأول. ومَن قال إن المباني لا تبكي؟ إنني رأيت الجدران هنا دامعةً، ليس من ندم، بل من احتشاد الذكريات. كيف لا وهي لم تشهد فقط تحوّلًا معماريًا، بل سجلاً حيًا لصراع العقائد والسياسات، ثم لرحمةٍ جمعتَهم تحت مئذنة واحدة!

خرجتُ من المسجد وقد انطفأ المغيب، لكنني أحسست أن ضوءًا جديدًا اشتعل في داخلي. كنت أردد في سري ما قاله مالك بن نبي: “المسجد ليس جدرانًا وأعمدة، بل طاقة روح، تمدّ الأمة من غيب السماء”. وهكذا كانت إيّا صوفيا، تمدّني من الغيب بما لا يُرى، ولا يُقال، بل يُعاش، ويُبكى له في صمت. أدرت ظهري لبواباتها العتيقة، ومضيت. لم ألتفت، فقد علمت أن من يدخل إيّا صوفيا بعين، يخرج منها بقلب. ومن صلى فيها المغرب، خرج وفجره معه، وإن تأخّر طلوعه إلى حين. فمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد… فليزرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top