|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

كان الغروب يُسدل أستاره على مدينة اسطنبول، وقد هدأت جلبة الفتح، وارتفعت الأذان في أرجائها يُبشّر ببزوغ عهد جديد. وبينما الجنود يرفعون رايات النصر، وبينما القلوب تتهامس بأن نبوءة الحبيب ﷺ قد تحققت، كان محمد الفاتح يخطو بخفة الروح إلى موضع دفنٍ خفيّ، في زاوية من زوايا المدينة، لا يعرف سره إلا القلائل… إلى حيث يرقد رجلٌ عاش قبل قرون، لكنه لم يمت في قلب الفاتحين.
اقترب الفاتح، وجثا على ركبتيه، ودموعه تتسابق مع صدى التكبير. قال وهو يضع يده على التراب: “السلام عليك يا أبا أيوب… قد جئنا، كما وعدنا رسول الله، فافتح عينيك وانظر”. وهنا، في لحظة خارجة عن كل قوانين الزمان، استوت الأرواح على منبر التأمل، وحدث ما لم يحدث في التاريخ… صوت قادم من الأعماق…من القادم؟
عبدٌ من أمة محمد، أتى يُبشّرك أن الوعد قد تحقق. أيّ وعد؟ الوعد الذي دفعت ثمنه حياتك، والذي تركت من أجله المدينة المنورة، وجئت تُغرس جسدك هنا في صقيع القسطنطينية، مؤمنًا أن النصر آتٍ… قد فُتحت القسطنطينية، وأنا خادم جندها. صمت خاشع، ثم تنهيدة خفيفة خرجت من قلب التراب، فارتعشت الأرض بين يدي الفاتح. وإذا بصوتٍ نوراني يخرج من حيث لا يُرى: أأنت من صدق فيه حديث الحبيب؟ أرجو أن أكون، يا سيدي، أنا محمد بن مراد، يسمونني “الفاتح”، ولست إلا عبدًا يُكمل الطريق.
ضحكة رقيقة، ملأتها الهيبة: كنت أعلم أن النصر سيأتي، لكن لم أتخيله بهذا الجمال… حدثني، كيف جئتم؟ كيف فتحتم؟ وأين كانت الأمة؟
الحديث الأول: أصداء النبوءة
جلس محمد الفاتح، وكأن روحه خرجت من جسده، يحدّثه: يا أبا أيوب، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. حُصِرنا، وضُربنا، وخذلنا كثيرون. لكن الأمل في الحديث النبوي ظل نورًا في صدورنا، حديث: “لتُفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش.” كنا نتلوه كما يتلو العاشق وعد اللقاء، نُحمله في المعسكرات، ونكتبه على الرايات. وهل حملك حب المجد؟ لا، والله… بل حملني الحياء من أن يُقال: “لم يكن فيكم رجل يحقق وعد رسول الله.”
الحديث الثاني: الثمن
أخبرني، يا محمد… كم مات منكم؟ كثير، يا سيدي، شباب في عمر الزهر، تركوا ديارهم، وأحلامهم، وناموا على الحجارة، لا لشيء إلا ليقولوا للتاريخ: لم نكن غائبين عن لحظة الوعد. وهل بكيتم؟ بكى قلبي قبل عيني، خصوصًا عندما مررنا بقبرك… قلت لجُنديّي: “ادفنوني إن متُّ هنا، بجوار أبي أيوب.” وما الذي جعلك تُكمل؟ لأنني تذكرتك، يا سيدي… رجل من المدينة، يترك راحة الصحبة، ويأتي إلى أبواب بيزنطة، ليُدفن قرب أسوارها! لو لم تكن مؤمنًا، لما فعلت، فكيف أخون إيمانك؟!
الحديث الثالث: سرّ الرسوخ
سكت أبا أيوب لحظات، ثم قال: يا محمد، الإيمان يُعطيك جناحين، لكن النية الصادقة هي التي تمنحك القدرة على التحليق… أنا لم آتِ هنا طلبًا لنصرٍ أراه، بل لنصرٍ آمنت به ولو لم أعش لحظته. وأنا، يا سيدي، لم أفتح المدينة بسيفي، بل بنيّة أمّة آمنت، وصبرت، وأعادت الوصل مع الله. والله ما رأيت النصر حتى انتصرنا على أنفسنا أولًا. وهل الأمة اليوم ما زالت تتنفس بهذا الإيمان؟ بين ضعف وقيام، بين غفوة وصحوة، لكنها ستعود، لأن من صدقوا ما عاهدوا الله عليه… لا يموتون.
الحديث الرابع: من المدينة إلى القسطنطينية
يا محمد، اسمعني… حين كنت في المدينة، وسمعت حديث رسول الله عن القسطنطينية، لم أتمالك نفسي. قلت: اللهم اجعلني من جيشها، أو اجعلني من أهل أرضها. فكنت الأول فيهما معًا… وها أنت الثاني، تتمم الرسالة.
ما رسالتنا الآن، يا أبا أيوب؟
رسالتكم أن تحفظوا النصر، كما حفظتم الفتح. الفتح أسهل من البناء، لأن النصر لحظة… أما الحفاظ عليه، فهو حياة كاملة. احذر أن تكونوا من الذين فتحوا الأرض وخسروا أنفسهم.
وكيف نعرف أننا ما زلنا على الطريق؟
إذا رأيتم الفقراء آمنين، والعدل قائمًا، والعلم يعلو على الجهل، فأنتم بخير. وإن رأيتم الأهواء تتنازعكم، والعروش تتقدم على القيم… فاعلموا أن الميدان يناديكم من جديد.
الحديث الأخير: عهدٌ لا يموت
نهض محمد الفاتح من سجوده الروحي، وقال: أبا أيوب، أأستودعك؟ لا، لا تودّعني، لأن من جاء لهذا الموضع حاملًا همّ الأمة، سيجدني حاضرًا… ليس بجسدي، بل بروحي، وبوصيتي: “اجعلوا الحق قائدكم، والأمة أهلَكم، والآخرة نُصبتكم.” ابتسم الفاتح، ثم غرس رايته في جوار القبر، وقال: عهدًا علينا، ما دمنا نحيا… أن يبقى هذا التراب شاهدًا أن الإيمان أقوى من التاريخ، وأن رجال الأمة، وإن تناءت قبورهم، قلوبهم واحدة، ووعدهم واحد، وربهم واحد.
خاتمة لا تُكتب
ما بين أبي أيوب ومحمد الفاتح ليس حوارًا من كلمات، بل وصال أرواح، وعبور زمني للمعنى العميق في أمة الإسلام: أن الرجال لا يموتون حين ترتبط قلوبهم بوعد الله، وأن الميدان لا يخون من صدقوه، وأن التاريخ لا ينسى من كتبوا مجده بالنية، قبل أن يخطّوه بالدم. “حوار لم يسبق في التاريخ”، لكنه ما زال مفتوحًا في قلب كل من يحمل أملًا، ويؤمن أن لكل قسطنطينية موعدًا، ولكل أمة فجرًا… متى صلح قلبها.