الزاحف إلى الخبز….صلاة مجروحة على أرض غزة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

السبت، في زمنٍ لم يُقيَّد في تقويم البشرية، تحرّك ظلٌّ بشري على رصيفٍ محطم في غزة. لم يكن ماشياً، ولا واقفًا، بل يزحف كأنّما الأرض كلها أُهينت فتحركت على هيئة رجل. يده كالمجذاف، ومقعدته كأرجل العزة حين تُقصَف. في ساقيه مسامير لا تقل بؤسًا عن تلك التي سُمّرت على صليب التاريخ، لكنه لا يطلب خلاصًا، بل… رغيفًا.

كان الزحف أبطأ من لحظة ضمير،
وأثقل من نَفَس تحت الركام، وأقدس من صلاة في بيت بلا سقف. لكنّ الزاحف لا يستجدي أحدًا، بل يبحث في أزقة النار عن حُقٍّ من طحين أو كسرةٍ تُبقي له إنسانيته حيّة.

لم يسألك أن تبكيه، ولا أن تخلّد اسمه، بل أن تنظر إليه بعينك المجردة وتقول: هذا ما صنعت أيدينا حين سكتنا.

في قلبه آثار غرفة عمليات… لا غرف اجتماعات. وفي ساقيه مسامير، لا أوسمة شرف. يمد يديه للأرض لا ليُصافحها، بل ليقاوم الجاذبية التي تودّ أن تبتلعه معها… فهو ثقيل بجراحه، بعاره، بحياة سُرقت منه ببطء.

والناس تمرّ… منهم من يدير وجهه،
ومنهم من يُخرج الهاتف ليصطاد الموقف “ستوري”، ومنهم من يشهق كأنه بكى، ثم يعود إلى مطعمه.

لكنّ الزاحف لا يرى أحدًا، هو الآن في خلوةٍ مع الله. يزحف وفي قلبه ترتيلة من سورة “البلد”: “لقد خلقنا الإنسان في كبد”.

كبد؟
نعم، لكنه صبرٌ يتوضأ بالوجع، وأمل لا يتقشر، وكرامة… كرامة لا تساوم وإن زحفت.

أحد المارة قال:
– “من هذا المجنون؟ لماذا لا يبقى في بيته؟”
فردّ عليه شيخ لم يعتد الرد:
– “لأن بيته صار رمادًا، والكرامة لا تُخبَّأ في العتمة.”

ثم أشار للسماء وقال:
– “انظر جيدًا، الملائكة الآن تسجّل أسماء من تجاهلوه، لا من ساعدوه.”

يا أمّةً تبحث عن نصرٍ عبر البيانات،
هذا هو النصر الحقيقي: أن تحني ظهرك لمصاب وتقول له: “أنا أخوك… والخبز خبزك.”

هذا ليس زاحفًا… بل بقية نبيٍّ في زمن التوحّش. إنه رجلٌ من قوافل الصابرين الذين لا يصرخون، لكن الأرض تصرخ حين يرونهم.

وإن لم نكتب عنه الآن، فالتاريخ سيفعل… ولكن بعد أن يكتب عارنا أولًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top