حين نطق الصمت باسم الأدب، وعلّمت الهيبة ما عجزت عنه الكلمات

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يكن مساءً اعتياديًا، ولا جلسة عمل كغيرها من الاجتماعات التي تؤرشف في دفاتر المراسلات، ويطويها النسيان كما يطوي الهواء أوراق الخريف. كان مجلسًا أعلى، من حيث المرتبة، لكنه في تلك اللحظة صار أعلى من كل مجلس، لأنه شهد ميلاد قيمة، وتشكّل وعي، وأعاد إحياء مدرسة تآكلت ملامحها: مدرسة الأدب المؤسسي، وهيبة المجالس، وتقدير المقترح إذا صاحبه وقار، لا غرور.

شاب في أول الطريق، بينه وبين التخرج فصل واحد، ولكنه يعي أن النضج لا يتخرج، كُلّف بالتفرّغ لنظم المعلومات. لم يكن محض اختيار إداري، بل كان بادرة ثقة في طاقة واعدة، تطلّعت المؤسسة لتنشئتها كما يُنشأ الحجر الكريم: بالصقل لا بالتكسير، وبالحرارة لا بالإهمال.

جلس الشاب على طاولة المجلس، يحمل في حاسوبه عرضًا أعده بجهد، يتلوه بنبرة الحماسة التي تسكن صدر من ظنّ أنه جاء ليعلِّم، لا ليتعلّم. وبينما ينهمك في سرد التفاصيل، أرسل إليه أحد الحكماء الجالسين، عضوٌ من أصحاب الخبرة والتاريخ، حزمة أدبيات مؤسسية عريقة، كمن يقدّم للسائر مشعلًا، لا اعتراضًا على وجهته، بل إضاءة لطريقه.

ما إن فتح الشاب أول ملف، حتى رفع رأسه وقال: “أعرف هذا، هو ضمن مقترحي.” لم يتجاوز العنوان، لم يطالع المتن، لكنه أنصت لنفسه أكثر مما أنصت للأثر، وظنّ أن المعرفة تسبق التهذيب، وأن الفهم يُعلَن لا يُصقَل. في لحظة خاطفة، ارتسم على وجه المرسِل صمتٌ أشد من الصوت، ثم ألغى أمام الجميع ما أرسله… لا انتقاصًا، بل تربية.
كان فعله ترجمة مؤسسية لمقولة الشافعي: “ما ناظرت أحدًا إلا تمنّيت أن يُظهر الله الحق على لسانه، إلا مع جاهل، فقد تمنّيت أن لا يُظهره لا عليّ ولا عليه.” فلو سُمح للغرور أن يتمدد، لابتلعت الهيبة، ولذابت روح المؤسسية في بحر من الكلمات التي لا توزن.

أحد الحاضرين، برغبة طيبة، دافع عن الشاب قائلًا: “هو صغير، وما قصد الإساءة.” فردّ صاحب الحكمة بهدوء الصادقين: “المسألة ليست قصدًا، بل قاعدة… نحن نُنشئ من يدرك أن احترام النص أسبق من تصنيفه، وأن الأدبيات ليست فهرسًا يُنقل أو يُركن، بل ذاكرة مؤسسة، يُقبل عليها بتواضع من يُمسك وثيقة كتبها الزمن، لا موظف.”

إن حضرسقراط المجلس، لربما ابتسم وقال عبارته الخالدة: “بداية الحكمة هي الاعتراف بالجهل.”
وإن كان مالك بن نبي حيًا، لقال: “الأدب أول مكونات النهضة.”
ولربما علّق ابن خلدون في مقدمته قائلاً: “إن انتقال العلوم ليس بالمحتوى وحده، بل بالسلوك المصاحب له، وبالأدب المؤسسي الذي يجعل للمعرفة مهابة، لا استسهالًا.”

ذلك اليوم، لم يكن درسًا في نظم المعلومات، بل في نظم النفوس.
في فهم أن المقترحات لا تُقيَّم بعناوينها، ولا تُختصر بتشابهٍ في المحتوى. في الوعي بأن التسرّع في إصدار حكم، وإن ظُنّ أنه ذكاء، قد يكون قطيعة مع عِبَرٍ لا تُحصى، كتبتها التجربة في سطورٍ لم يُفهم منها إلا العنوان. وذلك العضو، الذي أرسل الأدبيات ثم سحبها، لم يُهِن الشاب، بل أكرمه بأسلوب راقٍ، يضرب بجذوره في عمق الفهم، إذ لا معنى لبناء مؤسسة تُدير بيانات بلا وعي، أو تُحلّل معلومات بلا قيم، أو تُسرِّع قرارات بلا تهذيب.

أما المجلس، فلم يكن مجرّد شهود. لقد كانوا جزءًا من الموقف، ولو بالصمت. صمتٌ يجب أن يُقرأ لا كحياد، بل كاحترامٍ للدرس الجاري. فكم من لحظة تصنع التاريخ، لم تُحسم بالتصويت، بل بنظرة، أو موقف، أو حركة يد تُلغي ملفًا، وتُقيم مبدأ.

الشاب غادر الاجتماع مختلفًا. لم يُظهر ذلك، لكن من عرفوا طريق النمو، يعلمون أن الانكسار النبيل، هو أول أبواب الرفعة. سيعود إلى الأدبيات لا ليكرّر ما فيها، بل ليقرأها لأول مرة بعين جديدة. سيكتب مقترحًا آخر، بروح من قال: “ربّ قولٍ وجيز، فتح لي فهمًا عميقًا. وسيكتب في يومٍ ما على صدر ورقة عمله:
“تعلمتُ أن أفتح الملفات بقلبي قبل عيني، وبالأدب قبل الذكاء. وتعلمتُ أن بعض الملفات تُقرأ لأن فيها علمًا، وبعضها لأن فيها خُلُقًا، وبعضها لأن من أرسلها، أراد لي أن أكبر.”

ذلك اليوم… لم يُكتب في محضر رسمي، لكنه سيبقى محفورًا في ذاكرة المؤسسة، كعنوان لفصلٍ جديد من فصول الإنشاء الراقي:
تنشئة المورد البشري… على أدب الكبار.

وفي صباح اليوم التالي، جاء الشاب بقلب منفتح ونبرة هادئة، معتذرًا عمّا بدا منه بالأمس، موضحًا أنه لم يكن يقصد تقليلاً من جهد أحد، بل خانه التعبير في حماسته. فكان موقفه ذاك خاتمة نضج، لا اعتذارًا فحسب؛ إذ أدرك الجميع أن العقول التي تنمو، تعرف كيف تعتذر، وكيف تُصغي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top