حين يضيق البيت وتتسع المسافة بين القلوب

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في لحظات قليلة، قد ينكشف للعالم وجه الحقيقة، وقد يسقط عن الحياة قناعها الذي يوهمنا بالأمان. ذلك اليوم، كان صغيره يقترب منه بخطوات حائرة، كأن الأرض تثقل قدميه، وعيناه تحملان بحيرة ما لم تكتمل دموعه بعد. صوته جاء متقطعًا، كأنه يتردد بين أن يقول أو يصمت: “بابا… شوف لنا بيت، ما عاد نريد نجلس عندهم.” لم تكن الجملة مجرد طلب للسكن، كانت صرخة كرامة خرجت من قلب طفل لم يتعلم بعد مفردات الكبرياء. فقد ضُرب من يد أحد أبناء من آووا والده وأسرته، يدٌ كان يُفترض أن تكون في صفه، لا عليه. الأب نظر إليه، وابتسم… لكن ابتسامته كانت مُرّة، كأنها غصّة تنكسر في القلب. مد يده على رأسه برفق، وهمس: “إن شاء الله يا بُني.” ثم أداره ظهره، ومشى بخطوات بطيئة، حتى غاب عن عيني طفله، وهناك… انهار في صمته.

الألم الذي لا يُرى

هناك أوجاع لا يراها الناس، لأنها لا تترك كدمات على الجسد، بل على الروح. هذا الأب لم يبكِ لصفعة ابنه فحسب، بل لأن الصفعة جاءت من بيتٍ ظن أنه مأوى الأمان. تذكّر حينها قول الإمام علي رضي الله عنه: “الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن. ”أما إذا اجتمع الفقر والغربة، فإنك تصبح غريبًا حتى عن نفسك.

حين تصبح الكرامة أثقل من الخبز

الفقر ليس أن تخلو يدك من المال، بل أن تضطر لقبول ما يجرح روحك مقابل أن يبقى لك سقف فوق رأسك. وقد قال أبو الطيب المتنبي: “إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا.” لكن الأب لم يرد أن يعلّم طفله معنى اللؤم مبكرًا، فاختار أن يبتسم ويصمت، ليبقي قلبه طاهرًا من شوائب البشر.

الصمت سلاح العظماء

الصمت الذي اختاره الأب لم يكن خوفًا، بل صونًا. فالصراخ قد يسكب الغضب على لحظة واحدة، لكنه يحرق معها الأمان. أما الصمت، فكان وعدًا غير منطوق بأن الأيام ستتغير، وأنه لن يترك ابنه في بيت يشعر فيه بالغربة. النبي ﷺ قال: “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. “وهذا الأب ملك نفسه، لا لأنه ضعيف، بل لأنه قوي بما يكفي ليؤجل معركته حتى يختار ساحة الكرامة لا ساحة الانفعال.

الجرح الذي يزرع الحلم

في تلك الليلة، ربما جلس الأب وحده يتأمل سقف الغرفة، وهو يفكر في الطرق التي يمكن أن تخرجه من هذا المأزق. فالرجال لا ينامون على جرح الكرامة، بل يجعلونه وقودًا للنهوض. وهنا يصدق القائل: “الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور.” ربما يكون هذا الجرح هو النور الذي سيقوده إلى بناء بيته الخاص، بيتٍ لا يطرق بابه أحد إلا احترامًا وحبًا، لا شفقة ولا منّة.

ذكرى لن تموت

الأطفال ينسون الأسماء والوجوه، لكنهم لا ينسون الإحساس. سيكبر ذلك الطفل، وربما لا يتذكر شكل الغرفة أو لون الجدار، لكنه سيتذكر تلك الابتسامة المرة، وذلك الصمت الثقيل، وسيتعلم أن الكرامة ليست كلمة، بل حياة كاملة.

رسالة لنا جميعًا

هذه الحكاية ليست قصة فردية، بل هي مرآة لآلاف الحكايات. كم من بيت يفتح أبوابه للفقراء، لكن قلوب أهله تضيق بهم؟ كم من يد تمتد بالعطاء، لكنها تلطخ العطاء بكلمة قاسية تمحو أثره؟ وقد قال الحسن البصري رحمه الله: “الصدقة إلى القريب اثنتان: صدقة وصلة. لكن إذا أُهينت الصلة، فقد انطفأ نور الصدقة قبل أن يصل إلى السماء.

وختامًا، إن الحقيقة التي تُبكي القلب قبل العين، أن بعض الآباء يبتسمون ودموعهم في الداخل، فقط ليحافظوا على براءة أبنائهم من تلوث الدنيا. هؤلاء هم العظماء المجهولون، لا تُذكر أسماؤهم في كتب التاريخ، لكن الله يكتب أسماءهم في لوح الصابرين، ويهيئ لهم لقاءً على أبواب الجنة، حيث لا منّة، ولا صفعة، ولا بيت يُترك فيه الإنسان غريبًا. اللهم ارزق كل فقير بيتًا يأويه، وكل أب صبرًا يرفعه، وكل ابن قلبًا لا يعرف الذل. واجعل بيوتنا عامرة بالرحمة قبل الحجر، وبالكرامة قبل الزينة، وبالرضا قبل السعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top