أواني غزة تصطك في وجه الصمت

Getting your Trinity Audio player ready...

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم تكن الصورة بحاجة إلى شرح. كان كل شيء فيها فاضحًا، حتى الصمت الذي التفّ حولها كان أكثر إيلامًا من الجوع نفسه. لم يكن صفًّا منتظمًا، بل تكالب أطفال وصبية، تدافعوا بأوانيهم نحو القدور الفارغة، كأن الجوع يسابق أنفاسهم.، أقدامهم حافية أو تكاد، ملابسهم تحمل لون الغبار الممزوج بالدخان، وجوههم نحيلة كأغصان زيتون عطشى، وأعينهم تمتد نحو الطهاة الذين اصطفوا أمام قدور فارغة. القدور التي كانت يومًا تغلي بالماء أو بالفتات، باتت الآن أواني معدنية صامتة، وكأنها فقدت قدرتها على النطق أو على طهي أي حياة.

في يد كل طفل إناء صغير، بعضها صدئ وبعضها مشروخ، وبعضها مجرد علبة معدنية أُعيدت للحياة بعدما كانت نفاية. الطهاة يحدّقون في الأواني الفارغة، أياديهم تمسك أدوات الغرف بلا طعام يغرفونه. الحيرة تكسو وجوههم، والإحراج يثقل أكتافهم. لحظة صمت تسبق انكسار النظر، ثم يأتي المشهد الذي يقطع القلب: طاهٍ يقذف أداة الغرف في الإناء النحاسي، وكأنه يقول بلسان الحال: ماذا تريدون مني؟ لقد انتهى ما في القدور، انتهت القصة.

لكن القصة لم تنتهِ، بل بدأت هنا، في هذه اللحظة التي اعترف فيها الواقع بجرمه، ووقّع الصمت على وثيقة الخيانة. هؤلاء الأطفال ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، ولا مشاهد عابرة على شاشات التواصل، هؤلاء هم الورقة الأخيرة في كتاب الإنسانية، فإذا سقطت لن يبقى للتاريخ وجه يراه الله دون خجل. تعود بنا الذاكرة، أو ربما تدفعنا رغمًا، إلى المقابر التي لم تتسع بعد لكل الشهداء، وإلى الأمهات اللواتي يضعن آخر قطعة خبز في يد طفل قبل أن يلفظ أنفاسه تحت الركام. نسمع من بعيد صوت المؤذن في غزة وهو ينادي للصلاة، وكأن الأذان يأتي هنا ليشهد على جوعهم ودمائهم في محكمة الغيب.

لقد اعتاد الناس المشهد. وهذا الاعتاد هو القتل الثاني بعد الجوع. من يعتاد رؤية طفل يمد يده الفارغة دون أن يمتد قلبه قبل جيبه، فقد كتب بيده شهادة موته الإنساني. صارت الصور تتكرر حتى تحولت إلى ما يشبه الخلفية اليومية للأخبار. من لم يكن يبكي أول مرة، صار يمر مرور الكرام، ومن كان يصرخ في المرة الأولى، صار يكتفي بمشاركة صورة. لكن الله لم يعتدِ هذه الصور، ولم يمر عليها مرور الكرام. فوالذي خلقهم، لن تكون دموعهم ولا جوعهم ولا دماؤهم على الله هينة. في كتاب الله وعدٌ ووعيد، وفي سننه حتمية لا تعرف المجاملة. سيأتي يوم يُسأل فيه الطهاة، ويُسأل فيه الجالسون على موائد عامرة، ويُسأل فيه كل من رأى وسكت، عن سبب صمته وعن مكان قلبه وقت النداء.

وفي ذاكرة الشعوب، سيتحوّل هذا المشهد إلى أيقونة، تمامًا كما تحولت صور المجاعات القديمة إلى شواهد على عصور الظلام. سيقول المؤرخون: كان هناك أطفال في غزة يمدون أوانيهم نحو قدور فارغة، وكان هناك عالم يمدّ صمته نحو مشهد يتكرر. وسيتساءل أحفادنا: أين كانوا؟ أين كان الضمير البشري؟ من الذي قرر أن الجوع في غزة أقلّ إلحاحًا من الترف في عواصم العالم؟ أما نحن، فلن نقبل أن نكون شهود زور. سنكتب ونشهد ونصرخ وننفق، ولو بالكلمة، ولو باللقمة، ولو بالدعاء في جوف الليل. لن نترك أطفال غزة يقفون وحدهم في الطابور، لأن الطابور الذي يقف فيه المظلوم يقف فيه المظلومون جميعًا.

أيها القارئ العزيز، هذه ليست قصة تبكيك فقط، بل توقظك. ليست حكاية أطفال الغرباء، بل وصيتك أنت قبل الموت. الله لم يخلقنا لنقف متفرجين على مشهدٍ يختبر فيه إنسانيتنا. وغزة ليست اختبارًا عابرًا، بل هي الامتحان الذي يقرّر شكل وجوهنا يوم نلقى الله. سيقول البعض: ماذا نفعل؟ ونحن نقول: افعل ما تستطيع، لكن لا تبرر صمتك. أرسل ما تملك، وأنفق مما تحب، وشارك ما يوقظ القلوب. لا تترك هذا المشهد يصبح عاديًا، فالعادي يعني أن الجريمة اكتملت.

في آخر الصورة، طفل صغير يرفع إناءه العالي كأنه يرفع قلبه نحو السماء، لا يراه الطاهي فقط، بل يراه الله، والله إذا رأى رفع الأيدي، فإنه يرسل الرزق من حيث لا يحتسبون. لكن الله جعل بعض الرزق على أيدي البشر، ليختبرهم، فإما أن يكونوا جسورًا لوصوله، أو سدودًا تمنع تدفقه. سيكتب التاريخ أن غزة جاعت، وأن أطفالها مدّوا أوانيهم، وأن البعض مدّ قلبه والآخر مدّ صمته. وسيكتب الله، وهو خير الكاتبين، من الذي بكى ثم عمل، ومن الذي بكى ثم نام. هذا المشهد لم ولن يشهده التاريخ بنفس القسوة، لكنه سيشهده الله بتمام عدله، وسيسمع منه النداء الذي لا يضيع: يا رب، هؤلاء أطفالك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top