|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في عمق آسيا، حيث يتنفس الخيزران هدأة الحكمة، وتتناثر أوراق الكاميليا كرسائل رقيقة من الوجود، نشأت تلك المؤسسة – لا تُشبه غيرها، ولا تُشبه حتى ذاتها في البارحة. تتطور، تنمو، تتشكل كقطرة ماء… اسمها لا يعلو في وسائل الإعلام، لكنها تكتب على الأرض قصةً تستحق أن تُروى. مؤسسة رائدة ومقرها إحدى المدن الصاعدة، ولدت على يد ثلاثة رجال، اجتمعوا في فندق متواضع يطل على مسجد عريق. لم يحملوا شعارًا لامعًا، بل حملوا سؤالًا كبيرًا: “هل يمكن أن تُدار مؤسسة كما تُدار الحديقة؟ لا بالإجبار، بل بالرعاية؟” وكانت إجابتهم نعم… وتلك كانت بداية الحكاية.
القائد لا يجلس، بل ينمو
مدير المؤسسة – رجل أربعيني – لا يحمل بطاقة عمل. حين يُسأل عن وظيفته، يبتسم ويقول: “أنا أول من يصل… وأحيانًا آخر من يتكلم”. لا يملك مكتبًا مغلقًا، بل طاولة بسيطة قرب النافذة، يجلس عندها الموظفون الصغار قبله. القيادة عنده ليست فوق، بل حول. ليست أمرًا، بل إنصات. يؤمن أن “الهيكل الإداري” ليس هرمًا جامدًا، بل دائرة حيّة، تتنفس، تتفاعل، تتغير، كمدار البدر حول الأرض. قال مرة في لقاء داخلي: “حين يصمت القائد، يبدأ الفريق بالكلام الحقيقي. وحين يُكثر الكلام، يبدأ الموظف بالاختباء.”
رشاقة التنفيذ روح الفريق
تعمل المؤسسة في مجال التعليم، لكنها تُدار بانضباط داخلي، وجمال خارجي، وتدفقٍ هادئ بين الأدوار. لا أحد يحمل لقب “مدير تنفيذي” في الأوراق، بل يُطلق على كل مسؤول لقب “حامل الرؤية”. في الاجتماعات لا تُستخدم العروض البصرية المبهرة، بل تُقرأ القصص. كل مشروع جديد يُعرَض أولًا في قالب قصة: لمن؟ لماذا؟ متى ننسحب؟ ومتى ننجح؟ والإجابة عن “متى ننسحب” شرطٌ لا يُلغى، لأنهم يؤمنون أن الرشاقة تعني القدرة على التراجع بشرف، لا التعلق بالأخطاء بعناد.
استبصار قبل الإنجاز
في إحدى السنوات، واجهت المؤسسة أزمة تمويل مفاجئة، نتيجة لانسحاب شريك أجنبي. اجتمع الفريق كله، وبدل أن يبدأ القائد بخطاب تحفيزي كما جرت العادة، وزّع أوراقًا بيضاء على الجميع وطلب منهم أن يكتبوا: “ما الذي يُمكننا فعله إذا لم يعد المال وفيرًا، لكن ظلت الإرادة مشتعلة؟” وجاءت الاقتراحات: تقليص الإنفاق، مشاركة الموارد، تصميم برامج مجانية مستندة إلى قوة المجتمع بدل الأدوات التكنولوجية المكلفة. قال المدير يومها: “الرشادة ليست أن تملك الخريطة، بل أن تعرف كيف تسير حين تضيع.” وعبر تلك الجلسة، لم تُغلق المؤسسة، بل تحوّلت إلى نموذج إقليمي في إدارة الأزمات
منهج القيادة
1.لا يُطلق مشروع إلا بعد دراسة الأثر، لا فقط العائد.
2.يجب على كل “حامل رؤية” أن يُنهي قراءة كتاب جديد كل شهر، ويكتب تأملاته.
3. تُراجع القرارات بمزج تقييم الأثر الكمي مع تعبير الناس العاطفي حولها.
4.الخطأ يُكافأ بالتعلم لا بالعقاب.
5.الاستقالة ليست فشلًا، بل استراحة، حيث يحق لكل موظف أن يأخذ إجازة طويلة مدفوعة كل خمس سنوات لمراجعة ذاته ورؤيته.
6.المجتمع ليس جمهورًا، بل شريكًا، ففي كل مشروع، يُفتح باب المشاركة من الناس، عبر رسائل، وأحيانًا لقاءات مباشرة
استدلالات عظماء
•يستشهد تساو كثيرًا بقول الإمام علي: “قيمة كل امرئ ما يحسنه.” ويقول: “المؤسسة التي تُدير الناس ببطاقاتهم الوظيفية فقط، تغفل عن أرواحهم وإحسانهم”.
•ويحب أن يُردد حكمة لاوتسو: “الماء هو أقوى الكائنات، لأنه لا يتحدى… بل يتسلل حتى يغيّر الصخور.” ويرى أن القيادة الرشيقة هي التي تفعل بلا صراخ، وتصل بلا صدام. ولقد أصبحت المؤسسة نموذجًا يُدرّس في بعض الجامعات الآسيوية. ليس لأنها الأغنى، ولا الأقدم، بل لأنها أثبتت أن الرشد والرشاقة يصنعان فرقًا أكبر من المال والخبرة. وسُئل القائد يومًا: “ما الإنجاز الأهم في حياتك؟” فقال بعد تفكر طويل: “أنني لم أرفع صوتي مرة، لكن رأيي بلغ أبعد مما تخيلت.”
تحت شجرة الكاميليا، ووسط خيوط شمسٍ تتسلل من زجاج الشفافية، تكتب آسيا قصتها الخاصة في القيادة… قصة لا تنتهي عند الكفاءة، بل تبدأ من إنسانية القائد. فهكذا تُبنى المؤسسات التي تُعمّر، وتُلهم، وتترك أثرًا يتردّد طويلاً… حتى بعد غياب المؤسسين.