قرية ناصر بن عبد الله الخال”حيث تلتقي الحضارات على بساط العطاء”

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

حين تطأ قدماك قرية ناصر بن عبد الله الخال في قلب نواكشوط، لا تشعر أنك تدخل حيًا جديدًا فحسب، بل تشعر وكأنك تعبر بوابة إلى تاريخ طويل من العطاء الإنساني الممتد، من يوم أن وقف الصحابي عثمان بن عفان رضي الله عنه في المسجد النبوي يقول: “من يجهز جيش العسرة وله الجنة”، إلى يوم أن ارتفعت في الصحراء هذه البيوت الخمسون، ومسجدها ومدرستها.

العطاء هنا ليس فعلًا عابرًا، بل هو امتداد حضاري لميراث أمة جعلت البذل فريضة أخلاقية قبل أن يكون صدقة مالية. منذ أن كان بيت المال في عهد عمر بن عبد العزيز يعجز عن إيجاد فقير يقبل الزكاة، وحتى اليوم الذي وجد فيه أبناء دوحة الخير طريقهم إلى هذه البقعة الموريتانية، كان الخيط واحدًا: روح الوفاء وإحياء الكرامة.

في المسجد، حين خطب الإمام عن الإنفاق، كان صوته يرتد صداه في قلوبنا قبل جدران المكان. تذكرت قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “زكاة المال الإنفاق على الإخوان”، وكيف أن المال إذا تحرر من أنانية صاحبه صار ماءً يجري في الأرض، يروي كل قلب عطش.وليس المسجد وحده شاهدًا على هذا الامتداد، فالمدرسة هنا تحاكي مدارس بغداد في عصر الرشيد، حين كان التعليم يفتح للعقل أبواب الفلسفة والعلوم، والمرفق الصحي يستعيد ذكرى بيمارستانات دمشق والقاهرة التي سبقت أوروبا بقرون في رعاية المرضى بلا مقابل.

هذه القرية هي جسر بين زمنين: زمن الحضارة الإسلامية حين كانت تتسع من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، وزمننا الحاضر الذي يحتاج إلى أن يتذكر أن التواصل بين الشعوب لا يُبنى فقط بخطوط الطيران والاتفاقيات، بل بخطوط الماء والكهرباء، وبأبواب بيوت تفتح على الأمان. ولعل أجمل ما في هذه الزيارة أنك ترى أثر العطاء حيًا أمامك: طفل يذهب إلى مدرسته بثوب نظيف، امرأة تخرج من مسكنها وهي تحمد الله، شيخ يجلس أمام بيته يرفع يده بالدعاء لمن لا يعرفه وجهًا، لكنه يعرفه قلبًا. هنا تتجلى المقولة التي أحبها الشافعي: “من لم تزدْه النعمةُ شكراً، كان حريّاً أن تزول عنه”، فالقرية كلها اليوم مدرسة في الشكر العملي.إنها ليست فقط خمسين بيتًا ومسجدًا ومدرسة، إنها إعلان حيٌّ أن أمة الخير لا تزال تنبض، وأن قطر وهي ترسل عطاءها لم ترسل مالًا فقط، بل أرسلت معنىً، أرسلت دفئًا، أرسلت امتدادًا لحضارة تعرف أن قوتها في عطائها.

وأنا أغادر، كنت أرى في الأفق خيطًا ذهبيًا يصل بين مئذنة المسجد في القرية، ومآذن الدوحة البعيدة. خيط من الوفاء الممتد، يذكرنا أن العمل الخيري ليس صدفة، بل هو وعدٌ من الأوفياء بأن يظل الأثر الطيب أعمق من الأسماء، وأطول من الأعمار، وأوسع من الجغرافيا. هكذا تكتمل الصورة: قريةٌ في نواكشوط، لكن جذورها في المدينة المنورة، وأغصانها في الدوحة، وثمرها في قلوب كل من مر بها أو سمع عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top