|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

بين فريق الأحلام بإنسانيته… وفريق الترف بسطحيته
المشهد: أرض رمزية، بلا جدران ولا سقف… فقط أرض خضراء مفتوحة على السماء. في طرفها الأيسر: يجلس “فريق الترف”، بملابس نظيفة، عدسات لامعة، وطاولات زجاجية مليئة بالمقبلات.وفي طرفها الأيمن: يقف “فريق الأحلام”، بوجوه سمراء من شمس العطاء، أكفّ تعِبة من توزيع الرحمة، وأرواح عادت من كينيا محمّلة بالحكايات.
فجأة… يتقدّم “صوتٌ من السماء” لا يُرى، لكن يُسمع، يقول: “آن أوانُ التوازن… هذا المكان، لا يُدخل فيه إلا من حمل قلبًا لا يعلوه الغبار.”
وهنا… يبدأ الحوار.
فريق الترف
يتكلم بثقة زائفة مغلفة بالأناقة: نحن من ركبنا السماء إلى الجزر الزرقاء، ونزلنا في الفنادق التي تُغلق أبوابها على الخصوصية.
صورنا من الطائرات، وتباهينا بمنظر الشلال من شرفة الجاكوزي (بابتسامة مُبالغ فيها) نحن من نعرف كل مطاعم القهوة المتخصصة، ونقيس جودة البلاد بعدد “النجوم” وليس عدد القصص.
فريق الأحلام يرد:
بهدوء، بعين ممتلئة بالتجربة
أما نحن… فقد رأينا الطفل الذي يبتسم لأن أحدهم أعطاه شبشبًا.
زرنا القرى التي لا تصل إليها الشاحنات، وجلسنا تحت ظل شجرة واحدة، نتقاسم معها دعاءَ أمٍّ نسيت طعم الأمن. نحن من وقفنا أمام أمٍّ كينية تقول: “أنا لا أطلب طعامًا… فقط أن أنام يومًا دون أن أبكي.” وحين وزّعنا الحلوى، وزّعناها بعد أن وزّعنا الدفء.
فجأة: تتكلم “الإنسانية” بصوت أنثوي، رخيم، ناعم: أنا “الإنسانية”، لا تُغريني الكاميرات، بل تُدهشني الهمسات…
من أنتم؟
من اختار أن يسافر ليأكل أكثر؟
ومن سافر ليُشبع روحًا كانت لا تعرف معنى “الاهتمام”؟ منكم من ركب طائرة فاخرة، ونزل إلى مسبحٍ لا يعرف العطش، ومنكم من ركب سيارة متواضعة إلى قرية لا تعرف الكهرباء.
فريق الترف يتململ:
بلهجة دفاعية
أليس لنا أن نستمتع؟ أليست الأرض خُلقَت للفرح؟ لماذا تُحمِّلوننا ذنبًا لم نقترفه؟ لم نؤذِ أحدًا… فقط اخترنا أن نرتاح!
فريق الأحلام يجيب:
لم يقل أحدٌ إن الراحة ذنب. لكن… حين تُصبح الراحة غاية، والعطاء عبئًا، ينكسر الميزان. نحن سافرنا ضمن “برنامج للتوازن”.
كان بين فقراته لحظات تأمل في الجمال، لكن لم تكن الطبيعة هي ما أبكانا… بل الإنسان.
في كينيا… وجدنا من يزرع الزهور، لا ليبيعها… بل ليهديها لروح يتيم.
وفي إحدى المخيمات، دخلت امرأة الإسلام، وقالت بصوت مرتجف:“أنتم أول من ناداني باسمي، دون أن يطلب مني شيئًا.”
تتكلم “النية”:
أنا النية… ميزان لا تراه العيون.
في حقيبة واحدة من وردالمنى، كانت ثلاث ترولي من الأحلام الصغيرة، بسكويت، وشيكولاتة، وأشياء يراها البعض تافهة… لكنها صنعت لطفولةٍ فرِحةً، لا تُنسى.
وحين سُرقت حقيبتها، لم تبكِ على الجواز، بل قالت: “يا رب… لا يكون فيها شيء كان لطفلٍ ينتظرني.”
تتكلم “النية” مرة أخرى: من الفريق الآخر… منهم من خسر شنطة “ماركة”، فكتب منشورًا غاضبًا، وطلب تعويضًا فوريًا. ومنهم من خسر حقيبة فيها “نيّة”،فربح بها أثرًا يُذكر في السماء قبل الأرض.
تتدخل “العدسة الصادقة” فجأة:
أنا عدسة لا تُدار بالكبسة، بل بالنية.
رأيت فريق الأحلام لا يلتقط الصور ليُنشرها، بل ليسند بها ذكرى في قلبه، رأيتهم يتركون أثرًا، ثم يمشون في صمت.
أما فريق الترف، فكان يبحث عن “الزاوية المثالية”…وما التفت يومًا إلى من كان خارج الكادر.
يتكلم “الميزان”:
أنا الميزان الذي لا يُعلَّق على الحائط… بل يُعلَّق في صحائف الأعمال. سألني التاريخ ذات يوم:
من يستحق الخلود؟ فقلت: من عاش للناس لا لنفسه، من نام في خيمةٍ متواضعةٍ… لكن يقظ قلبه لم يغفُ عن وجعٍ.
ختام الحكاية… صوت السماء يعود:
هذا الحوار لم يشهده التاريخ، لكنه يُكتب الآن، ليس في الكتب، بل في دعاء أمّ، وبسمة يتيم، وذكرى على طرف مخيم. يا فريق الأحلام…
قد لا تملكون كاميرات احترافية،
لكنكم التقطتم لقطة العمر:
لحظة الصدق، والنية، والإنسانية الخالصة.
ويا فريق الترف… الترف ليس خطيئة، لكن ألا تعرفوا وجع الآخرين… تلك هي الخسارة.
خاتمة التوثيق
هنا طُوي المشهد، وغابت الأصوات،
وبقيت بصمة واحدة فقط تُضيء الصفحة: “فريق الأحلام مرّ من هنا…
لم يترك أثرًا على الرمال، بل حَفر في القلوب ظلًّا من ظلال عمان.”
ملاحظة أخيرة بخط الإنسانية:
ليس المقصود أن يُدان أحد…
بل أن نُضيء الفرق بين من يرى الأرض وجهة، ومن يراها أمانة مؤقتة، ومسؤولية ممتدة. وإن أردت يومًا أن تكون ضمن التاريخ، فلا تكتب عنه…
بل كُن وجهًا من وجوهه.