قرية ناصر بن عبد الله الخال “حيث يسير العطاء على قدمي الوفاء”

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كان الطريق إلى مقاطعة حياة جديدة في نواكشوط يشبه رحلة في كتاب مفتوح على صفحات الرمل والريح، والسماء الموريتانية تتسع لعناق الشمس. وكنا نسير وفي قلوبنا خيط من الشوق إلى قرية طالما سمعنا عنها، حتى بدا أمامنا ذاك المشهد الذي سيبقى محفورًا في الذاكرة: لافتة تحمل بخط بسيط لكن بمدلول عظيم: “قرية ناصر بن عبد الله الخال – موريتانيا – الحي: حياة جديدة – مقاطعة نواكشوط”.توقفت عندها خطواتنا قبل أن تتوقف أنفاسنا. لم تكن لوحة تعريفية فحسب، بل كانت وثيقة وفاء معلقة على جدار الصحراء، تحمل اسم رجل امتد عطاؤه من دوحة الخير إلى قلب إفريقيا، حتى صار الاسم عنوانًا لحياة جديدة، تمامًا كما سمّى الحي نفسه.

دخلنا القرية، خمسون بيتًا مصطفة كما تصطف القيم في سيرة رجل كريم، مسجد يرفع مئذنته نحو السماء وكأنه يرسل رسالة شكر مع كل أذان، مدرسة يتعلم فيها الصغار أن الحرف لا يقل قيمة عن رغيف الخبز، يروي حكايات عن رحمة تتجاوز المسافات.

وفي يوم الجمعة، اصطففنا في المسجد، والأرض الموريتانية تحت أقدامنا، والسماء شاهدة على جمع القلوب. كان الإمام يتحدث عن الإنفاق في سبيل الله، بصوتٍ يخرج من قلبه ليطرق أبواب قلوبنا جميعًا. تذكرت يومها قول الفاروق عمر رضي الله عنه: “أفضل الأعمال إدخال السرور على المسلم”، وأدركت أن كل حجرة في بيوت القرية، وكل مقعد في مدرستها، هو سرور دخل إلى قلب إنسان. آل الخال لم يرسلوا مالًا عابرًا، بل أرسلوا جزءًا من تاريخ العائلة الممتد في الوفاء، عائلة عرفت أن العطاء ميراث لا يتوقف، وأن الكرم شجرة تورّث كما تورّث الأرض. ومن قطر، حيث نشأت الأجيال على قيم الجود، إلى موريتانيا، حيث الأرض متعطشة لماء العطاء، امتد هذا النهر الصافي ليحيي أرضًا ويوقظ قلوبًا.

حين تتأمل المشهد، ترى أن هذا العمل ليس معزولًا عن جذور الحضارة الإسلامية. فمنذ أن جهز عثمان بن عفان جيش العسرة، ومنذ أن أوقف الصحابة أموالهم في سبيل الله، تعلمنا أن البذل ليس إحسانًا فرديًا، بل هو بناء مجتمعي. قرية ناصر بن عبد الله الخال هي في حقيقتها امتداد لتلك القوافل التي حملت القمح إلى مكة زمن الجفاف، والتي أقامت السقيا على طرق الحجاج، والتي أنشأت المدارس والمستشفيات في الأندلس ودمشق وبغداد.

المجتمع هنا تغير، الأطفال الذين كانوا يقطعون الكيلومترات لطلب العلم، صاروا يجدونه في مدرستهم؛ الأسر التي كانت تعيش على أطراف الحياة، صارت في قلبها. هذه هي بركة العطاء حين يكون من أوفياء، لا يكتفون أن يعطوا، بل يعطون بما يليق بكرامة من يأخذ. وأنت تغادر القرية، تشعر أن الأثر الطيب لا ينتهي بانتهاء المشروع، بل يبدأ منه. فالمسجد سيظل يؤذن، والمدرسة ستظل تخرج جيلًا بعد جيل،والبيوت ستظل تفتح أبوابها على الدفء والأمان. إن آل الخال حين مدوا أيديهم إلى نواكشوط، لم يمدوها من خزائنهم فقط، بل من أرواحهم، من ميراث آبائهم وأجدادهم الذين آمنوا أن المجد لا يُبنى بالذهب والفضة، بل بالأثر الطيب الذي يبقى بعد الرحيل. وهنا، في قلب الصحراء، وُضعت لبنة جديدة في جدار الحضارة، جدار ترفعه أمة حين تتذكر أن قوتها في تماسكها، وأن يدها العليا لا تنحني إلا لتواسي وتمنح. غادرت القرية وفي قلبي يقين أن هذه المئذنة التي ارتفعت في الحي، وهذه البيوت التي انتظمت، ليست إلا بداية لسلسلة خير لن تنقطع، وأن هذا الامتداد من قطر إلى موريتانيا، من آل الخال إلى كل بيت في حياة جديدة، سيبقى شاهدًا على أن العطاء إذا خرج من قلوب الأوفياء، صار حضارة تمشي على الأرض. وهكذا، حين يسدل الليل ستاره على قرية ناصر بن عبد الله الخال، وتغفو بيوتها على أنغام المآذن، لا تنطفئ أنوارها في قلوب من عرفوها أو سمعوا عنها. فالأسماء التي تقترن بالعطاء لا تُكتب على الحجر فقط، بل تُنقش في وجدان الأمم، وتظل تتردد في دعوات الأرامل، وفي ضحكات الأطفال، وفي خطوات المسافرين الذين مروا بها يومًا.

إن امتداد آل الخال في سجل الوفاء يشبه النهر الذي كلما ابتعد عن منبعه ازداد اتساعًا، فلا يترك أرضًا إلا وترك فيها حياة. وحين تلتقي هذه الروح بأرض عطشى، تولد قرى، وتزهر قلوب، وتكتب الحضارة فصلًا جديدًا من فصولها. قد تنسى الأجيال شكل اللافتة على مدخل القرية، وقد تتغير ملامح المكان بمرور السنين، لكن ما لن يزول هو أن في زمنٍ من الأزمنة، وقف أوفياء من قطر، وحملوا الخير على أكتافهم، وعبروا به البحر والصحراء، ليزرعوه هنا، في نواكشوط، فتثمر أشجارًا من الكرامة والرحمة. وهذا هو سر الخلود: أن تبقى بعد رحيلك في هيئة أثر طيب، وأن تجد حضارتك في كل يدٍ تمسح دمعة، وفي كل قلب ينبض أملًا… وهنا، في قرية ناصر بن عبد الله الخال، وجدت الحضارة نفسها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top