تحلق القلوب وتكتب الأرواح عهدًا جديدًا

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

ليلة من ليالي الدوحة لا تُنسى، تنفست فيها السماء بهجةً وامتلأت الأزقة بأصداء التهاني. كان عقد قران جنة، ابنة العزيز أحمد نادي“بوجنة”، مشهدًا يتجاوز حدود الفرح العائلي ليغدو مساحة إنسانية واسعة تتسع للمحبين جميعًا. لم تكن مجرد لحظة مراسم تُعقد فيها الآيات المباركات على مسامع الحضور، بل كانت ارتقاءً نحو عالم تذوب فيه المسافات، حيث تتصافح القلوب قبل الأيدي، وتتعانق الأرواح قبل العيون.

جلسنا في رحاب تلك الليلة بعد صلاة العشاء، وكأن الأرض تتهيأ لكتابة صفحة جديدة في سفر المحبة. بدا أحمد نادي، الأب الحاني، وكأنه يحلّق في الفضاء، يمد يديه بكل ما يستطيع، يوزّع ابتسامة هنا، ويقدم خدمة هناك، يرد على التحية بوقار، ويستقبل المهنئين ببشاشة. كأن قلبه تحول إلى جناحين يرفرفان على الحضور، يزرعان الطمأنينة والود في كل ركن. لقد كان هو العريس الأول، لا بالمعنى الرسمي، بل بمعنى الفرح الذي يسكنه.

كان إلى جواره نادي الابن ، بفرحة لا تُوصف، كأنه يتنقل بخفة في فضاء المناسبة، يقدم العون بغير سؤال، وكأنه يقول للجميع: كل ما يتمناه الواجب أن يُقدَّم قبل أن يُطلب. عيناه تلتمعان بالرضا، وصوته يخفق بالحب، يلتقط تفاصيل اللحظة ليجعلها أبدية. وإلى جانبه عبيده، الذي جمع بين الوقار والسرور، يسير بخطوات مطمئنة، ولسانه يلهج بالتهاني، وكأنه يريد أن يُثبت أن الفرح يمكن أن يكون جادًا في حضوره ورقيقًا في أثره.

حفصة وخديجة كانتا صورة أخرى من الحنان، تضيئان المكان بابتسامة رقيقة تليق بأختين تحتفيان بأخت ثالثة تُزف إلى حياة جديدة. كانت فرحتهما مزيجًا من الرقة والهناء، يوزعان كلمات التهنئة كما تُوزع الورود، وينثران حولهما عبير الألفة، كأنهما تقولان: “هذه لحظة عائلية لكنها لنا جميعًا”. وفي الأركان الجانبية، كانت تدور أحاديث لم تخلُ من الجمال. جلس صديق يتحدث بإعجاب عن اللغة العربية، عن قدرتها على حمل المشاعر كما تحمل الغيوم المطر. قال وهو يستمع إلى كلمات الفريق الإنشادي: “هل رأيتَ كيف تتحول الحروف إلى ألحان؟ كيف تصير الكلمات زينةً تُعلَّق في السماء؟” وأجابه آخر: “إنها ليست مجرد لغة، إنها وطنٌ يُبنى بالحروف ويُعاش بالمشاعر.”

ولم يكن الحوار مقتصرًا على جمال العربية وحدها، بل امتد إلى الروح الاجتماعية التي تُميز مجتمعاتنا. قال أحدهم: “ألا ترى أن الأفراح عندنا أكثر من مجرد مناسبة؟ إنها معراج للعلاقات الإنسانية، تُرمم فيها النفوس، وتتجدد فيها الأواصر.” فأجابه صاحبه: “بل هي مدرسة تعلمنا أن الحب حين يُعلن، يذيب كل حواجز الغربة، ويجعل الناس أقرب إلى بعضهم البعض مما يتخيلون.”

أما يوسف، العريس المشرق، فقد بدا في هيئةٍ تُبشر بالخير، وقارٌ يليق برجلٍ يخطو إلى حياة جديدة، وابتسامة ترسم على وجهه ملامح الأمل. كان يجلس في طمأنينة، كأنه يدرك أن هذه الليلة ليست مجرد بداية لعقد قران، بل هي بداية لعهد بين أسرتين، بين روحين، بين مستقبلين.

ومن أجمل ما زاد المشهد نورًا أن من تولى عقد القران فضيلة الشيخ أحمد المعصراوي، بصوته الوقور ونبرته المضيئة، الذي ما إن نطق بالآيات حتى شعرنا أن السماء تهبط قليلًا لتبارك هذه اللحظة. كانت مشاعر جياشة تسري بيننا منذ اللحظة التي علمنا فيها بخبر الخطبة، مرورًا بموعد القران، حتى صار كل واحد منا يحمل بين ضلوعه جزءًا من هذه الفرحة. لقد تجلت في تلك الليلة معاني قال عنها طاغور ذات مرة: “السعادة ليست في امتلاك ما نحب، بل في أن نحب ما نملك.” وها هو أحمد نادي أحب ما يملك: أبناءه، أصدقاءه، محبوه، فصار يوزع السعادة عليهم بلا حساب. ولعل كلمات ابن خلدون تليق باللحظة: “الاجتماع الإنساني ضرورة، وما الأفراح إلا أرقى صور هذه الضرورة.” حين غادرنا بعد تلك الليلة، لم نحمل في قلوبنا مجرد ذكرى لفرح عابر، بل حملنا رسالة عميقة: أن الأفراح ليست طقوسًا اجتماعية، بل محطات تربط الأرض بالسماء، والناس ببعضهم، والأمل بالغد. كانت ليلة كتبت في التاريخ لا كحدث اجتماعي فحسب، بل كوثيقة حب وتآلف، تُذكر الأجيال أن الفرح حين يكون صادقًا، لا يموت صداه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top