|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كان الصباح هادئًا، والنسيم البحري يداعب وجوهنا برقة، فيما نخطو على أرض الممشى المؤدية إلى المركب الكبير. صديقي، الذي عرفته سنوات طويلة، تحدث عن رحلاته مع مراكبه، تلك الرحلات التي تتجاوز السبعة أيام في المتوسط، مليئة بالبحر، بالصمت، والتأمل. ابتسم وقال: “سيعلّمك البحر ما لا تستطيع أيُّ تجربةٍ أخرى أن تلقّنك إيّاه عن نفسك”. لم أكن أعلم حينها أن ما سيحكيه لي عن الرزق القليل، ثم تأتي المفاجأة الكبرى باحتراق مركب راسب، ليصبح درسًا عميقًا في الحياة، عن الصبر والمفاجآت التي تأتي من حيث لا نحتسب.
الرزق الذي تأخر
في اليوم الثالث من الرحلة، كان البحر ساكنًا تقريبًا، والمراكب الأخرى قد بدأت تعود بالصدف والسمك، بينما نحن نكافح للحصول على القليل من الرزق. صديقي قال: “تعلمت أن الرزق لا يأتي دائمًا كما نتوقع. أحيانًا يكون القليل هو ما يحتاجه القلب ليصبر، والروح لتتأمل.” شعرت حينها بغموض البحر وعظمة صبره، وكأن كل موجة تحكي قصة انتظار، وكل صمت يعلمني درسًا عن الرضا عما قسمه الله. الرزق القليل لم يكن مجرد اختبار صبر، بل مرآة لما يحدث في حياتنا اليومية: نخطط، نجتهد، ونأمل، وأحيانًا يأتي قليلًا جدًا، ليذكرنا بأن قيمة الجهد لا تُقاس بالنتيجة فقط، بل بالإصرار والثبات.
اعتراض صغير، درس كبير
لم يطل الوقت حتى جاءنا شعور بالاعتراض، شعورٌ إنساني طبيعي: لماذا قليل؟ لماذا لم يأتي كما تمنينا؟ صديقي ابتسم وقال: “كل اعتراض نطلقه على الرزق، على التأخير، على الظرف، هو مجرد سحابة على بحر واسع. البحر أكبر من كل اعتراض.” وفي هذه اللحظة، شعرت بعمق الحقيقة: أن الإنسان غالبًا ما يضيع جمال الرحلة بسبب التركيز على القليل من النتائج. وهكذا، أصبح الرزق القليل، رغم مرارته، فرصة للتأمل في الصبر، والامتنان، وفهم أن كل تجربة تحمل درسًا، وأن كل لحظة انتظار لها معنى غير ظاهر.
المفاجأة الكبرى
لم يمر وقت طويل بعد ذلك، حتى جاء الخبر المفاجئ: احتراق أحد المراكب الراسبة. الصمت خيّم علينا، وكل بحار توقف عن الحركة للحظة. كانت المفاجأة صادمة، لكنها كانت أيضًا درسًا عميقًا عن هشاشة الأمور والفرص غير المتوقعة. صديقي نظر إلى البحر وقال: “لا يمكننا أن نضمن كل شيء. هناك ما لا نراه، هناك ما لا يمكن توقعه، والمهم هو أن نتعلم من كل حادثة، وأن نكون جاهزين لما قد يأتي.” المركب الراسب لم يكن مجرد حادثة عابرة، كان رمزًا لكل ما يمكن أن يفقده الإنسان إذا لم يكن واعيًا، مستعدًا، وصبورًا.
- الرزق قليل = اختبار الصبر والرضا
- الاحتراق = التذكير بالمخاطر والمفاجآت التي تختبر مدى قوة القلب والروح
تأملات في النفس والرحلة
بين الرزق القليل واحتراق المركب، وقفت لأفكر في معنى الرحلة نفسها:
- كل يوم في البحر يمثل فرصة لتقييم النفس، وتقوية الصبر، وضبط العواطف.
- كل قرار صغير – اختيار السنار، تنظيم الطاقم، الاهتمام بالوجبة، ترتيب المعدات – يعكس قدرتنا على التأثير فيما حولنا، حتى في ظروف غير متوقعة.
- كل موجة عالية، وكل لحظة هدوء، هي دعوة للتأمل في الهشاشة والقوة معًا.
صديقي قال لي بابتسامة: “في البحر، كل شيء يبدو أكبر، أعمق، وأكثر وضوحًا. هنا ترى نفسك كما أنت، بلا أقنعة، بلا تبريرات.” وهكذا، أصبح البحر مدرسًا: يعلّمنا كيف نواجه القليل من الرزق بالصبر، وكيف نواجه المفاجآت بالكفاءة، والهدوء، والوعي.
رمزية الخبرتين
في موقف الرزق القليل واحتراق المركب، يمكن رؤية رمزية خفية:
1.الرزق القليل: اختبار للنية والجهد، فرصة للنظر داخل النفس، للتواضع، وللتقدير أن كل شيء يحدث بمقدار وحكمة.
2.احتراق المركب الراسب: تذكير بالمفاجآت غير المتوقعة، بالأحداث الخارجة عن السيطرة، وبأهمية اليقظة، الاستعداد، وعدم التعلق بالمستقر والمأمون فقط.
هنا، تكمن الحكمة: ليس كل شيء تحت سيطرتنا، لكن كل شيء يمكن أن يعلمنا درسًا قيمًا إذا تأملنا فيه بوعي.
الدروس العملية
- الصبر والرضا: الرزق لا يأتي دائمًا كما نريد، لكنه يأتي دومًا بما فيه خير.
- الوعي بالمخاطر: المركب الراسب المحترق يذكّرنا بأن نتخذ الاحتياطات، ونخطط للطوارئ.
- التأمل في الحياة: كل رحلة تحمل مزيجًا من النجاح والفشل، الفرص والخطر، الانتظار والمفاجأة.
- المرونة: التعامل مع النتائج المختلفة بروح متفائلة، وقلب مطمئن، واتخاذ الدروس بدل الغضب أو اليأس.
البحر يعلمنا الحياة
في النهاية، الرحلة لم تكن مجرد صيد، ولم يكن الرزق القليل مجرد إخفاق، ولم يكن احتراق المركب مجرد حادثة.
- كانت درسًا متكاملاً في الحياة:
- انتظار النعمة بالصبر،
- مواجهة المفاجآت بالحكمة،
- تقدير كل لحظة، وكل تجربة،
- واستخلاص الحكمة من كل شيء، حتى من قليل الرزق ومن الأحداث المؤلمة.
صديقي ابتسم وقال: “الرحلة الحقيقية ليست فيما نأخذ، بل فيما نتعلم. البحر يعلّمنا أن نعيش الحياة بوعي، ونقدّر كل لحظة، وكل رائحة ملح، وكل شعور بالرياح على الوجه.” وهكذا، تعلمت أن الحياة، مثل البحر، مليئة بالمفاجآت، وأن الرزق ليس فقط ما نصطاده، بل الحكمة التي نحملها معنا، والقدرة على التأمل، والرضا عن كل ما نملك.