رحلة الصيد قصة مؤسسة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في صباحٍ نقي على شاطئ البحر، كانت الشمس تتسلل بخفة بين الأمواج، والنوارس تحلق فوق رأس المركب الكبير. كنت أمشي على الممشى، رفقة صديق قديم له خبرة طويلة في الصيد عبر المركب الكبير. أتى الحديث عن رحلة العمل القادمة، التي ستستمر من سبعة إلى عشرة أيام في المتوسط، وسرعان ما تحول الحوار إلى درس عملي في القيادة وإدارة المؤسسة. قال لي وهو يبتسم: “الرحلة ليست مجرد صيد… إنها مدرسة كاملة، كل مركب مثل مؤسسة، وكل بحار يمثل وظيفة، وكل مهمة ترتبط بالآخر… ترى كيف تتكامل العناصر؟” ابتسمت، ولم أكن أعلم حينها أن هذه الرحلة، التي تبدو بسيطة، ستحمل لنا رمزية عميقة لكل ما يخص المؤسسات، الفريق، القيادة، الجودة، والقيم.

 المركب المؤسسة الحية

المركب الكبير ليس مجرد وسيلة للصيد، بل هو كيان حي. كل شيء فيه مرتبط بالآخر:

  • الهيكل الخارجي يمثل القوانين والأنظمة الأساسية للمؤسسة.
  • المحركات والسيور تُظهر العمليات والإجراءات اليومية.
  • الطاقم، كل فرد فيه له دور محدد: القبطان، البحارة، الطباخ، عامل البوفيه، المسؤول عن الثلاجة، المسؤول عن السنارات، وحتى مساعد الطباخ.

قال صديقي: “تخيل أن القبطان لا يعرف كيف توزع المهام، أو يضع الجميع في مكان واحد… المركب لن ينجو من العاصفة ولا الصيد سينجح.” وأدركت أن توزيع الأدوار هو قلب أي مؤسسة، وأن القيادة ليست مجرد أوامر، بل تنسيق متقن، تمكين، ومساءلة دقيقة.

 الفريق روح المركب

كل مورد بشري في المركب له مهاراته الخاصة، وقيمته الفعلية تظهر عندما يُسند إليه ما يتقنه. الطباخ وعامل البوفيه ليسا مجرد داعمين، بل جزء من النتيجة النهائية: نجاح الرحلة يعتمد على كل التفاصيل، حتى على وجبة صيد اليوم، خاصة إذا طلب الصياد طهي سمكة معينة، رغم أنها من الأنواع الأعلى قيمة في السوق. قال صديقي وهو يشير إلى الطباخ: “الحرص على الرغبة الشخصية للصياد لا يقل أهمية عن ضبط السنار أو إدارة الثلاجة… إنها مرونة القيادة، احترام الفرد، وتهيئة أجواء عمل إيجابية”. وهكذا يصبح الفريق ليس مجرد أداة، بل شراكة حقيقية في تحقيق أهداف المؤسسة.

الإنتاج والجودة والكفاءة

السمك الذي يصطادونه يمثل الإنتاج الفعلي للمؤسسة. لكنه ليس مجرد كمية، بل جودة المنتج، وطريقة المعالجة، والتخزين، والتسويق. صديقي أضاف: “نحن نقيم كل صيد على معايير الجودة، ليس فقط الوزن أو العدد، بل الطراوة والنضارة، وكل شخص مسؤول عن جزء محدد: السنار، التخزين في الثلاجة، الطهي، أو التعامل مع العملاء في السوق.” التقدير للكفاءة هنا واضح: من يحسن عمله بشكل استثنائي يحصل على مكافأة إضافية، سواء في صيانة السنار، ترتيب الثلاجة، أو إعداد السمك بطريقة مثالية. هذا ليس مجاملة، بل تحفيز حقيقي يبني روح التميز والمسؤولية.

الرؤية والرسالة والأهداف

القبطان وحده لا يقرر وجهة المركب، بل يضع الرؤية العامة: ما الذي يريد تحقيقه من الرحلة؟

  • الرؤية: أن يكون المركب قادرًا على صيد أفضل أنواع السمك وتحقيق أعلى جودة ممكنة.
  • الرسالة: تقديم إنتاج مستدام وراقي يلبي طلب السوق ويحافظ على كفاءة الفريق.
  • الأهداف: كمية السمك اليومية، جودة الطهي، الحفاظ على المعايير، رضا الفريق والعملاء.

وهكذا، كل مهمة يومية تتقاطع مع هذه الأهداف الكبرى، مما يعطي معنى للعمل الفردي والجماعي.

القيم والالتزام

القيم هي الدليل الأخلاقي والعملي للمركب. الصدق، الالتزام، الصبر، العمل الجماعي، الاحترام المتبادل، والمهنية في التعامل مع السمك والزبائن، كلها قيم تُبنى يوميًا. قال صديقي وهو ينظر إلى البحر: “القيم تحمي الفريق من الفوضى، وتخلق ثقافة مؤسسية لا تهتز حتى في أصعب الظروف. لا يمكن لأي شخص أن ينجح لو تجاهل القيم، مهما كانت مهارته.” وهذا درس عملي لكل مؤسسة: النجاح الحقيقي ليس في النتائج فقط، بل في كيفية تحقيقها بالقيم الصحيحة.

الأجواء والتمكين

من جمال المركب أن القبطان يُتيح أجواء مناسبة لكل بحار. إذا شعر الصياد برغبة خاصة في طهي نوع من السمك، حتى إن كان مرتفع السعر أو محدود الكمية، يتم تلبية رغبته ضمن الإمكانيات. هذا يعكس فلسفة الإدارة: تمكين الفريق وتقدير رغباتهم واحتياجاتهم، ما يعزز الدافعية، ويخلق بيئة عمل صحية. لا يُنسى أن التقدير الحقيقي للكفاءات يظهر عندما يُحتسب لكل شخص ما يزيد على توقعاته: السنار الذي أُعد بشكل أفضل، الثلاجة التي نظمها أحد البحارة بشكل متميز، أو حتى طهي السمك بطريقة تفوق المعتاد… كل هذا يولد شعورًا بالإنجاز والاعتراف الشخصي.

الفرص والتحديات والمشاكل

رحلة الصيد ليست دائمًا هادئة. هناك عواصف، نقص معدات، تغيرات في الطقس، صعود الأسماك ونزولها، وطلبات غير متوقعة من السوق. قال صديقي: “هنا يظهر الفرق بين من يملك خطة واضحة، وبين من يترك الأمور للصدفة. الفرص تحتاج إلى استغلال، والمشاكل تحتاج حلًّا سريعًا.” في المؤسسات، كما في المركب:

  • القياس المستمر للأثر هو الذي يحدد النجاح.
  • الرقابة والحوكمة تمنع الانحراف.
  • توزيع الأدوار بشكل واضح يتيح الاستجابة لأي أزمة دون انهيار.

العلاقات والسوق

العلاقات الخارجية مهمة بقدر أهمية العمل الداخلي. البيع في السوق، التعامل مع الزبائن، التفاوض مع المشترين، كلها تُعكس مباشرة على سمعة المؤسسة ونجاحها المستقبلي. وقال صديقي: “علاقاتنا مع السوق مثل الصيد نفسه: إذا لم نراعِ الجودة، والالتزام بالمواعيد، والاحترام، سيصبح السمك بلا قيمة، والمركب بلا سمعة.” وهكذا تظهر أهمية التوازن بين الإنتاج الداخلي والجودة، وبين العلاقة الخارجية والسوق.

 الإنجاز الحقيقي

في نهاية الرحلة، عندما يعود المركب ممتلئًا بالسمك، وكل البحارة قد نفذوا مهامهم بكفاءة، يكون الإنجاز واضحًا:

  • الإنتاج الملموس والجودة العالية.
  • فريق متعاون ومنسجم.
  • رضا السوق والعملاء.
  • تعزيز القيم والثقافة المؤسسية.

صديقي ابتسم وقال: “الإنجاز ليس مجرد سمك… بل هو نتيجة التخطيط، القيادة، الكفاءة، والقيم”. وهنا أدركت أن كل رحلة صيد، مهما بدت بسيطة، هي محاكاة حية لأي مؤسسة ناجحة.

 الدرس المستفاد

المركب الكبير، الفريق، السمك، جودة العمل، توزيع المهام، الأجواء، الرؤية، الرسالة، الأهداف، القيم، والإنجاز… كلها عناصر متكاملة، مثل نموذج حي لأي مؤسسة ناجحة. رحلة الصيد ليست مجرد صيد السمك، بل رحلة في القيادة، التخطيط، الإبداع، وتقدير البشر والكفاءات. ومن يفهم هذه الرحلة ويطبق مبادئها في المؤسسات، سيصنع فرقًا حقيقيًا، ويحقق إنتاجية مستدامة، جودة عالية، ورضا جميع الأطراف. وهكذا، أدركت أنه لا فرق كبير بين مركب صيد كبير وبين مؤسسة عالمية: القيادة، الفريق، الكفاءة، القيم، والمكافآت، كلها عناصر تجعل المؤسسة صالحة للإبحار في بحر الحياة بثقة وأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top