ليلة الامتياز

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

لم تكن ليلة الثلاثاء 02 ديسمبر 2025، في بني هاجر مجرد حفل تكريم. كانت – لمن رآها بعين القلب – سيرة قطرية قصيرة كتبتها الضيافة بمداد الذهب، وتلتها الوجوه بحضورها، وختمها النور الذي نزل في مجلس رجلٍ اسمه بو محمد الهاجري. منذ لحظة الدعوة الأولى، شعر الجميع أن الأمر ليس مناسبةً تُضاف إلى الروزنامة، بل دعوة إلى أن نكون شهودًا على ليلة لا تُنسى، ليلة تُكرَّم فيها القلوب قبل الأسماء، وتُحتفى فيها رحلة عام كامل من الجهد الذي حمل حملة القدس إلى درجة الامتياز 1446هـ، وتفتح أبواب عام جديد 1447هـ تُرجى بركته قبل إنجازه.

حين تفتح بني هاجر بابها

المجلس العامر لبو محمد الهاجري ليس مساحة من الجدران… بل ذاكرة تمتد. حين خطونا داخله بعد صلاة العشاء، شعر كل واحد منا أنه يعود إلى الأصل، إلى الجوهر، إلى ذلك الصفاء الذي وصفه الشيخ محمد بن جاسم آل ثاني حين قال: “الرجال الذين يصنعون المجد… يبقى أثرهم في مجالسهم قبل أقوالهم.” الأنفاس الأولى في المجلس كانت محمّلة بعبق القهوة العربية، تلك التي لا تُقدَّم في قطر باعتبارها مشروبًا… بل باعتبارها هوية. أمامها أنواع التمور، كأن كل حبة منها تحكي قصة كرمٍ انتقل من الأجداد إلى الأحفاد دون أن يفقد لياقته أو دمه الحار. وكان في الوجوه نور اللقاء، وفي القلوب دفء الصحبة التي قيل عنها يومًا: “أكرم الله هذه الأرض بأهلٍ إذا أحبّوك رفعوك، وإذا جالستهم نسيت همّك.”

المائدة التي صمت المجلس لها احترامًا

ثم جاءت المائدة… مائدة لا يمكن وصفها إلا بأنها “لوحة من التاريخ” صينيات ضخمة – بمهابة أساطين المجالس القديمة – وعلى كل واحدة منها خروف كامل، يجاوره الأرز الأصفر، وكأن اللون ذاته يعرف أنه يدخل إلى مجلس كرم لا يقبل إلا أجمل حلّته. وتقدمت الأطباق الأخرى: السلطة بألوانها، اللبن والماء، وكل ما يجعل الضيافة تقول للضيف: “أنت لست زائرًا… أنت منا.” هذا المشهد وحده كفيل بأن يذكّرك بقول الشاعر القطري مبارك بن حصين: “ما هو غريب الطيب في دار الأجاويد… اللي يجي ضيفٍ عليهم… يصير سيد.”

لحظة تلاقت فيها الأرض مع السماء

بعد العشاء، حين عمّ السكون الجميل، تقدّم الشيخ عبد الرحمن المغير ليبدأ مشهد التكريم. ثم جاء صوت الشيخ عبده يتلو القرآن الكريم، فتبدلت اللحظة، وتحوّل المجلس من مكان إلى معنى. التلاوة كانت خاشعة، رقيقة، صافية… كأن الله أراد بها أن تكون “آمين” على نيات الفريق الذي خدم حجاج بيت الله. ولحظتها فقط، فهم الحاضرون سر القائل: “إذا نزل القرآن في مجلس… نزل معه النور والبركة.”

 كلمات حملت روحًا لا تُشترى

ثم جاءت الكلمات، كلمة رئيس الحملة حمد الهاجري، كلمة لا تُقال من منصب، بل من قلب رجل يرى العمل عبادة، وبذلًا، ورسالة. تبعتها كلمة الصديق الحميم سعد المسيفري، كلمات تشبه صاحبه: صادقة، بسيطة، لكنها تضرب في العمق. ثم كلمة علي الشهواني بالشكر والامتنان للفريق. كل كلمة كانت لبنةً في جدار هذه الليلة، وكل جملة كانت دعامة تقول: “هذا الجهد لم يذهب سدى.”

حين تحفظ للذاكرة حقها

الفريق الإعلامي للحملة كان حاضرًا، يصوّر، ويوثق، ويجعل اللحظة قابلة لإعادة الولادة كلما اشتاق الناس إليها. وكانت الصور تلتقط الوجوه وهي تبتسم… والقلوب وهي ترتاح… والعَين وهي تتذكر أن خدمة الحجاج ليست عملًا وظيفيًا، بل طريق إلى الله.

حين يبتسم الزمن للعمل

ثم جاء توزيع الجوائز، لحظة لا يمكن لأي قلم أن يصف نورها. عندما يُنادى اسم، كان المجلس كله كأنه يقول: “بوركت يدك، وبورك وقتك، وبورك جهدك.” وعادت إلى الأذهان مقولة الشيخ أحمد بن علي آل ثاني: “العمل الذي لا يُكافأ… ينطفئ. والذي يُقدَّر… يشع ويُضِيء.”

  هذه المرة بطعم الحلا والسكينة

لكن الليلة لم تنتهِ… فتحت مائدة من بستان فاكهة وحلوى، تتقدمها القهوة والشاي، وكأن الختام يريد أن يقول: “من بدأ بالكرم… يختم به.” الفاكهة بألوانها، الحلوى بنعومتها، القهوة بصدقها، الشاي بحضوره… كلها بدت كأنها تودع الحضور برسالة صافية: “هذه ليلة ستبقى في القلب… مهما طال الزمن.”

حين تُختَم الليالي بما يرفعها

ثم جاء الدعاء… دعاء رقيق، ناعم، يشبه رفق قطر بأبنائها. دعاء أن يكتب الله للحضور نورًا في دروبهم، وأن يجعل العام الجديد 1447هـ عامًا من البركة والفتح واليسر. كان الدعاء خاتمة تشبه قول: “إذا خُتم اللقاء بالدعاء… كُتب في صحائف النور.”

 لماذا ستُقرأ هذه الليلة أكثر من مرة؟

لأنها لم تكن مناسبة… بل كانت حكاية. ولأنها لم تكن عن طعام واحتفال… بل عن كرم ووفاء. ولأنها لم تكن عن جوائز… بل عن رجالٍ يعرفون كيف يُكتب المجد. ولأنها لم تكن ليلة عابرة… بل ليلة تعلّمك ماذا يعني أن تكون في قطر، وماذا يعني أن تكون ضيفًا عند بني هاجر، وماذا يعني أن تقف في مجلس بو محمد الهاجري. فهذه ليلة لا تُكتب في تقرير، ولا تُختصر في منشور، ولا تُلخّص في صورة. هذه ليلة تُغلق عليها القلوب كما تُغلق القطع الثمينة في خزائنها. وإن قُدر لك أن تقرأ هذا النص غدًا… ستشعر أنه أجمل. وإن قرأته بعد أسبوع… ستجده أعمق. وإن عدت إليه بعد سنة… ستراه حقيقة. لأن النص الذي وُلد من الصدق… يبقى. واللحظة التي صيغت بالحب… لا تموت.

اللهم بارك هذه المناسبة، واجعلها فرحة دائمة في قلوبنا، وعملًا مباركًا يرفع درجاتنا ويقربنا إليك، ووفق كل من ساهم فيها للخير، واجعلها سببًا للسعادة والرضا بيننا، واحفظ الجميع من كل سوء، واملأ مجلسنا نورًا وبركة، واجمعنا على الحب والإخاء والنجاح دائمًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top