حين يتأخر المسافر وتتعجل المؤسسة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يكن صباح ذلك اليوم عاديًّا، ولا كان يشبه صباحات الخبراء الذين يزورون مؤسسة ثم يغادرون بملف أنيق وعرض مختصر. كان صباحًا مدهونًا بالتعب، مغموسًا بالإيمان، محمولًا على ظهر رجل اعتاد أن يرى المؤسسات لا كما تُعرّف نفسها، بل كما تنبض في الحقيقة. كان الخبير- ذلك الذي لا ينتمي إلى مدرسة الشكلانية ولا إلى صناعة الوهم – يحمل داخله يقينًا واحدًا: بأن المؤسسة التي تتألم، مهما علا صراخها، تبقى قابلة للشفاء إن وُجد من يعيد إليها نبضها الأول. ولذلك… حين سمع عن ذلك المشروع الصحي التنموي الذي تداخلت فيه الإنسانية مع الإدارة، والرسالة مع الأرقام، لم يستطع أن يكتفي بتقرير يُرسل إليه أو صور يُكتفى بها. قرر أن يذهب بنفسه. وأن يرى بنفسه. وأن يشهد بنفسه.

الساعات السبع… التي لم تكن مجرد وقت

حين وصل إلى المشروع، لم يحدّد عدد الساعات، ولم يضع خطة خروج. نسي الوقت، أو ربما تناساه. ومضت الساعات سبعًا كاملة وهو ينتقل بين غرف المرضى، وأروقة العمل، وأقسام الإدارة، وأحاديث العاملين، ووجوه المتعبين، واستغاثات الأجهزة، وأسئلة لا يجرؤ كثيرون على طرحها. سبع ساعات بدت كأنها رحلة داخل جسدٍ يبحث عن شهيق. كان يرى أن المشروع – رغم جمال فكرته – يعيش ما سماه لاحقًا في تقريره: “مرحلة الإنعاش” تلك المرحلة التي لا تموت فيها المؤسسة، لكنها أيضاً لا تعيش. مرحلة تُقاس فيها نبضات المنظمة قبل أن تُقاس أرقامها. وخلال تلك الجولات كان يشعر أن شيئًا غير مرئي يدفعه نحو البقاء، كأن المشروع يريد أن يتكلم، وأن يضع رأسه على كتف أحد. وبينما كان موعد الرحلة يقترب، وجد نفسه يعتذر للمطار، لا للمؤسسة. فاتته الرحلة الأولى. ثم لم يكتفِ أن يحجز التالية، بل أجّل عودته يومين كاملين ليعود مرة أخرى إلى المشروع… ليس لأن أحدًا طلب منه، ولكن لأن ضميره طلب. وهنا، تتجلى رمزية القيادة: فالقائد يسأل نفسه أولاً: ماذا تحتاج المهمة؟ ثم ماذا أحتاج أنا؟ وهذا ما فعله تمامًا.

20 صفحة ليست تقريرًا… بل شهادة

حين عاد إلى غرفته تلك الليلة، لم يكتب تقريرًا، كتب شيئًا يشبه الاعتراف.20 صفحة من العناء، من الخلاصة، من “علم الخبرة” لا “علم الكتب”. ٢٠ صفحة كُتبت في ساعات طويلة متصلة، وكأن الرجل يخشى أن يفلت منه المعنى إن هو توقّف. لم يكتب ليُعجب، بل ليُحيي. ولم يكتب ليُشكر، بل ليُنقذ. كان يكتب كأن المشروع يرقد على سرير متعب، وأن تقريره سيصبح أنبوب الأكسجين. كان يكتب عن القيادة، وعن غيابها حيث يجب أن تكون حاضرة. وعن التخصص، حيث صار الرأي يعلو على العلم. وعن النظام، حين تتبعثر الأدوار بين الاجتهاد والصدفة. وعن الجودة، حين تتحول الإجراءات إلى ديكور. وعن الرقابة، حين تغفو في اللحظة التي يجب أن تكون يقظة. كتب فأبدع، وشخّص فأوجع، ولامس العمق الذي يخشاه الكثير. ثم ختم تقريره بجملة واحدة تركها بلا زخرفة: “المؤسسة في مرحلة الإنعاش، وإنقاذها ممكن… لكنه يحتاج قرارًا وليس بيانًا”.

الاجتماع الذي حضره الجميع… وغاب عنه التقرير

حين اجتمع المموّلون لدراسة حالة المشروع، كان الظن أن التقرير سيكون نجم الطاولة، أن يُفتح، ويُناقش، ويُطرح، ويُبنى عليه قرار. لكن ما حدث كان شيئًا آخر. بدا وكأن كل شخص قد جاء ليعرض ما في ذهنه، لا ما في الواقع. كان كل عضو يحمل رؤيته، مقترحه، إحساسه، قناعته. حتى بدا أن التقرير – ذلك الذي كُتب بسبع ساعات زيارة، ويومين تأجيل سفر، وعشرين صفحة من الخبرة – صار مجرد وثيقة تُلمّح ولا تُقرأ. أحدهم قال: ” التقرير قاسٍ قليلاً…” آخر قال: “ربما لم يطّلع على الصورة كاملة…” وثالث قال: “علينا ألا نقيّم النبض قبل أن نسمع رأي الإدارات…” كان الخبير صامتًا، ليس ضعفًا، بل دهشة. كيف يمكن أن تكون التجربة أعمق من الاستيعاب؟ وكأن المؤسسة تشبه مريضًا يرفض الاعتراف بأنه يحتاج علاجًا مكثفًا.

الفجوة بين من يرى ومن يتصور

في تلك اللحظة، برزت رمزية عميقة… ففي المؤسسات – كما في الحياة – يوجد نوعان من الرؤية: من يرى الواقع كما هو، ومن يتصور الواقع كما يحب أن يراه.  الخبير ينتمي للفئة الأولى: يرى الثقوب، التحولات، الضغوط، المخاطر، الفرص، وجمال الفكرة حين تتحرر من الضعف. أما أعضاء المجلس – أو بعضهم – فكانوا ينتمون للفئة الثانية: يرون المؤسسة من مقاعدهم، لا من ممراتها. من تقارير سابقة، لا من نبض العاملين. من هواء الاجتماع، لا من حرارة غرف المرضى. وكانت الفجوة بين الرؤيتين كأنها مسافة بين مطارين… الأول يغادر منه الخبير، والثاني تقلع منه المؤسسة ولا يلتقيان إلا عند نقطة واحدة: الصدق في تشخيص الحقيقة.

حكاية المؤسسة التي لم تسمع الطبيب

المؤسسة – أي مؤسسة – تشبه الجسد، تتعب، وتنهض، وتحتاج من يلاحظ الوجع قبل استفحاله. لكن المشكلة ليست في المرض… المشكلة حين يرفض الجسد الاعتراف بأنه مريض. ولذلك كتب المسيري يومًا: “أسوأ ما يصيب الإنسان أن يعتاد القبح حتى يراه طبيعيًا”. وكذلك المؤسسات: أسوأ ما يصيبها أن تعتاد الأعطال حتى تسميها ظروفًا. وأن تعتاد العجز حتى تسميه إمكانات. وأن تعتاد ضعف النتائج حتى تسميه قدرًا إداريًا. كان الخبير يدرك هذه الحقيقة، ويدرك أن التقارير التي لا تُقرأ تصبح مثل الأدوية التي لا تُفتح… تبقى مغلقة بينما يزداد المريض ضعفًا.

السفر الذي تأخر… والرسالة التي لم تتأخر

حين عاد الخبير أخيرًا بعد يومين من التأجيل، لم يكن يحمل في قلبه غضبًا، بل كان يحمل يقينًا: أنه أدى ما عليه ببراءة نية، وبذل جهدًا قلّ إن يُبذل. وأن ما كُتب في التقرير سيجد يومًا قارئه الحقيقي، حتى لو طال الطريق. لأن الأعمال التي تُكتب بصدق لا تموت، حتى وإن لم تجد مقعدًا أوليًا في الاجتماعات. والتأخر عن الرحلة – رغم كلفته – كان ليس تأخرًا عن السفر… بل تقدمًا نحو الحقيقة. فثمن الحقيقة دائمًا أعلى من ثمن التذكرة.

وماذا بعد؟

تبقى هذه الحكاية شهادة على سؤال كبير: كيف يمكن لمؤسسة أن تتعافى، إن كانت تقرأ ما تريد، وتترك ما تحتاج؟ وتبقى أيضًا درسًا عميقًا: أن الخبرة لا تُقاس بعدد السنين، بل بعدد الحقائق التي يتحمل صاحبها أن يقولها. وأن المؤسسة لا تنهض بمجرد وجود مجلس، بل بنضج المجلس. ولا تتقدم بوجود تقرير، بل بقراءة التقرير. ولا تتعافى بوجود رؤية، بل بجرأة مواجهة الواقع. وأن الخبراء الحقيقيين يشبهون أولئك الأطباء الذين يصرّون على البقاء بجوار المريض حتى آخر لحظة… حتى إن تأخرت رحلاتهم وتغيرت جداولهم، وتعبت أجسادهم لأن ضمائرهم أقوى من مواعيدهم.

خاتمة بحجم الحقيقة

هذا المقال ليس مجرد سرد لزيارة، ولا مجرد وصف لاجتماع. إنه قصة العلاقة بين الحقيقة والجرأة، بين الواقع والقرار، بين الخبير الذي صدق، والمؤسسة التي ترددت. إنه دعوة لكل قائد، ولكل مجلس، ولكل ممول: اقرأوا التقارير… لا الصفحات. واسمعوا الحقيقة… لا الأصوات. وواجهوا الوجع… قبل أن يواجهكم. فلعلّ التقرير الذي لم يُفتح يوم الاجتماع… يصبح يومًا مفتاح إنعاش كامل للمؤسسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top