|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
نعم التربية… ونعم النشأة… ونعم المعاملة
لم يكن عبد الرحمن الشوادفي – رحمه الله – مجردَ اسمٍ يمرُّ في الذاكرة، بل كان طيفًا من الصفاء يمشي على الأرض برفق، فإذا جالسْتَهُ شعرتَ أن القلب يهدأ، وأن العالم – ولو لحظة – يصبح أكثر احتمالًا. شبَّ على تربيةٍ لو وزِّعت على قومٍ لكفتهم، تربيةٍ تُشبه النبع الأول: صافية، عميقة، رقراقة، لا يتكلّف فيها خيرٌ ولا يُسأل فيها المعروفُ عن هويته؛ إذ كان الخيرُ فيه طبعًا لا تكلّفًا، وبهاءً لا استعراضًا.
نشأ نشأةً تُذكّر بما كان عليه الآباء الصالحون: جِدٌّ بلا قسوة، ولطفٌ بلا ضعف، ووقارٌ يسبق خطاه، حتى إذا تحدّث حسبت أن الكلمات تستأذن قلبه قبل أن تخرج من لسانه. وإنّ من عرفه – ولو عَرْفة عابر – أدرك أن وراء هدوئه مدرسة، ووراء ابتسامته تاريخًا من الطيب الذي ربّاه ربٌّ كريم. كان – رحمه الله – من أولئك الذين يَصنعون المعاملة على عين الله: يعرف كيف يواسي دون أن يُثقل، وكيف ينصح دون أن يَجرح، وكيف يُدلِّي بحكمته دون أن يشعر أحدٌ بأنه أقلّ منه مقامًا.
إنّ رحيله ليس فقدَ جسدٍ كان بيننا، بل فقدُ خُلُقٍ كان يُهدي للمجالس نورًا، وللأصحاب ثقة، وللبيوت سكينة. وما أصعب أن يغيب من كان حضوره يُشبه الدعاء المستجاب: يأتي فيفتح الله به بابًا من المودة، ويُغلق بابًا من الضيق. اللهم اجزه عن تربيتِه خيرًا، وعن نشأتِه خيرًا، وعن معاملةِ من عرفوه خيرًا. اللهم اجعل ما غرسه في القلوب صدقةً جارية، وما تركه من أثرٍ شاهدًا له لا عليه. اللهم أنزله منازل الصالحين، واجمعه بمن أحبّ عند سدرة المنتهى، واجعل قبره روضةً من رياض رحمتك، ونُزُلًا يليق بقلبٍ كان يمشي بين الناس وهو يحمل نيتك.
رحم الله عبد الرحمن الشوادفي… فبعضُ الناس يرحلون، لكن أثرهم يبقى كالماء الرقراق: لا تراه إلا وقد أحيا ما مرّ به. ولعلي – وأنا أكتب هذه الكلمات على عَجَلٍ بعد سماع خبر وفاته – أعلم أن هذا ليس رثاءً يليق بكل خصاله، ولا صفحةً تفي بعمق سيرته، إنما هو وجيب قلبٍ فُجِع، ودمعةُ وفاءِ سبقت الحرف. وأعدُ أن أعود إلى سيرته في مقالٍ مستقل، أُسطِّر فيه خصالَه كما عرفناها، ومكارمَه كما لمسناها، لأكتب عنه كتابةً تليق برجلٍ كان في حياته مدرسة، وفي رحيله وصيّة نور.