|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
ليست كل الدعوات تُقاس بموعدها، ولا كل الموائد تُوزن بما وُضع عليها. بعض الدعوات تُقاس بما سبقها من شوق، وبما رافقها من صدق، وبما خلّفته من أثرٍ لا يزول. ومائدة الفروانية، في مساء الخميس الحادي عشر من ديسمبر 2025، لم تكن وليدة لحظة، بل ثمرة انتظارٍ طويل، ومتابعةٍ حانية، وإصرارٍ نبيل على أن يكون اللقاء كما يليق بالقلوب قبل الموائد.
منذ شهرين وأكثر، كانت الدعوة تمشي على استحياء، ثم تعود فتطرق الباب بلطف. لم تكن إلحاحًا بقدر ما كانت حرصًا. “يا عمو متى تشرفنا؟” سؤالٌ يتكرر، لا يثقل، بل يُشعر السامع أنه مُنتظر، وأن حضوره ليس مجاملة، بل رغبة صادقة. أسماء، بروحها الهادئة المتابعة، كانت تُجدد السؤال بين الحين والآخر، وكأنها تخشى أن يضيع الموعد في زحمة الأيام، لا لأن المائدة ستبرد، بل لأن الشوق لا يحب التأجيل.
وحين تحدد الموعد، لم يُترك للصدفة. قبلها بأربعة أيام تثبيت، وقبلها بيوم تأكيد، ويومها تحديد للساعة: بعد صلاة العشاء. وحتى الصلاة لم تُترك عابرة؛ كان الإلحاح على أن تُصلّى العشاء بجوار المنزل في الفروانية، وكأن اللقاء لا يكتمل إلا وقد سبقه وقوف بين يدي الله. قال ابن القيم: “اجتماع القلوب على طاعة الله يسبق كل اجتماعٍ على طعام.” غير أن الأقدار-وهي دائمًا أصدق من الجداول-كان لها رأيها. فبينما كان الخروج من مسجد صباح السالم، جاءت المكالمة التي تشبه الكاميرا الخفية: “عمو حضرتك فين الحين؟” سؤالٌ لا يحمل استعجالًا، بل يحمل قلق المحبة، وحرص الانتظار، وكأن البيت قد فتح أبوابه قبل أن يصل الضيف.
وعند الوصول… لا يبدأ الاستقبال من الباب، بل من القلب. أحمد الشرقاوي “بو شهد” كان أول ما يُرى: بسمة صافية، لا تُدرَّس، ولا تُصنّع. “تفضل يا أستاذ محمد “، أسماء غريب “أم شهد” كانت كأنها تكملة الجملة، روحٌ ترحب قبل اللسان. ثم شهد وحنين، باستقبالٍ لا يحتاج مقدمات، وكأن الضيف واحد من أهل الدار منذ زمن.… تلك الروح العالية التي لا تُخطئها العين، حضورهم يُشعرك أن البيوت تُعرف بأهلها، لا بجدرانها. قال الإمام علي رضي الله عنه: “الكرم ليس في كثرة الطعام، بل في طيب الاستقبال.” وهنا، كان الاستقبال مائدةً قائمة بذاتها. جلسنا، ولم يُترك للوقت أن يتثاءب. شاي كركٍ ساخن، يرافقه تمرٌ يعرف طريقه إلى القلب قبل الفم. لم يكن تقديمًا تقليديًا، بل تمهيدًا لمشهدٍ أكبر، وكأن البيت يقول: تمهّلوا… فهنا تُؤكل الذكريات مع الطعام.
ثم جاءت المائدة. لا ازدحام أطباق لمجرد الإبهار، ولا تكلّف يُربك العين. كانت هندسة مائدة؛ كل طبق في مكانه، وكل نكهة تعرف دورها. شوربة اللحم بالكوارع… طبق لا يُقدَّم إلا لمن تُراد له الدفء، طاجن البسلة باللحمة والصلصة… نضجٌ بطيء يشبه نضج العلاقات الصادقة، وطاجن الدجاج بالبطاطس… بساطة مُشبعة، لا تحتاج تعريفًا. وأطباق الأرز الأبيض، كأنها مساحة حياد تتيح لكل نكهة أن تقول كلمتها. والمخلل-تركي مصري- وكأن المائدة قررت أن تختصر الجغرافيا في لقمة. أما الخبز “النان الخوشك” الجاف، فكان درسًا آخر: أن الكمال لا يكون في الطراوة وحدها، بل في التنويع، وفي احترام اختلاف الأذواق. قال الغزالي: “الطعام إذا قُدّم بمحبة صار عبادة.” وهنا، لم يكن الطعام إلا لغة محبة.
وحين ظننا أن المائدة بلغت ذروتها، جاءت الحلوى. لا من متجر، ولا من طلبٍ عابر، بل صناعة أسماء. صينية الكيك، وبشاميل البطاطا… طبق يربك التصنيف، لكنه يُسعد القلب. جماله ليس في غرابته، بل في أنه صُنع لأجل هذا اللقاء تحديدًا. ومعه العرقسوس الساخن، بيد شهد، وكأن المشروب جاء ليقول: ما زال في الأمسية متّسع للدفء. ثم، وبدون ضجيج، رُفعت المائدة. لا تواكل، لا انتظار. بتوجيهات أسماء، بدأ غسل الأواني في الحال، تنظيف المطبخ وكأن الطعام لم يكن عبئًا، بل شرفًا أُنجز. هنا، يتجلى الكرم في أصدق صوره: حين لا يترك أثرًا يُتعب، ولا ضيفًا يشعر أنه أثقل. قال الحسن البصري: “تمام المعروف ألا تُشعر به غيرك.”
جلسنا بعد ذلك للحوار. ذكريات جميلة، محطة من محطات الحياة، ضحكات خفيفة، تأملات عميقة. لم يكن الحديث استعراضًا، بل مشاركة. وكلما مر الوقت، ازداد الشعور أن هذه الجلسة لا تُقاس بالساعات، بل بالأثر. وحين هممنا بالمغادرة، أبى الفريق إلا أن أُحمَّل مشروب ليمون بارد. وكأنهم يقولون: الكرم لا ينتهي عند الباب. هو رفيق الطريق. خرجتُ وأنا أستحضر قول النبي ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.” وأدركت أن الإيمان هنا لم يكن شعارًا، بل ممارسة يومية، وتفصيلًا صغيرًا، وحرصًا متكررًا، وانتظارًا طويلًا لموعدٍ أرادوا له أن يكون كاملًا.
مائدة الفروانية لم تكن حدثًا عابرًا. كانت درسًا في الكرم الهادئ، الذي لا يرفع صوته، ولا يصوّر نفسه، ولا ينتظر تصفيقًا. كرمٌ يشبه أهله: أحمد الشرقاوي بحضوره الدافئ، وأسماء غريب بحرصها الذي لا يكل، وشهد وحنين فريق قلبٍ واحد. وهكذا، تُكتب بعض المقالات لا لأنها طُلبت، بل لأنها تُدين للذاكرة بالوفاء. وهكذا، تبقى بعض الموائد، لا في المعدة… بل في الروح.
وفي الختام، وكأن المشهد أبى أن يُختتم عند حدود المكان، فامتدّت القلوب باتصالٍ إلى الإسكندرية نبتغي به أن نُسعد الوالد الغالي بو أحمد إسماعيل، والغالية أم أحمد، ونُشركهما دفءَ اللحظة وحلاوة الذكرى. غير أن الله لم يشأ أن يتم الرد، فترك الأمر معلَّقًا عند بابه الكريم، في درسٍ صامتٍ بأن النيات تبلغ، وإن لم تكتمل الأصوات، وأن المحبة الصادقة يرفعها الله وإن لم تُنطق. اللهم احفظ بو أحمد وأم أحمد بحفظك، وألبسهما لباس الصحة والعافية، وبارك في أعمارهم وأيامهم، واجعل لهم من كل دعوة نصيبًا، ومن كل محبة أثرًا، ومن كل ذكرى نورًا.
اللهم كما جمعتنا على مائدةٍ صادقة، فاجمع لهم الخير حيث كانوا، وبارك في بيوتهم وأعمارهم وأوقاتهم، واجعل ما قدّموا في ميزان حسناتهم نورًا لا يخبو، وعطاءً لا ينقطع. اللهم ارزق أهل هذا البيت ” أحمد وأسماء وشهد وحنين” سعةً في الرزق، وطمأنينةً في القلب، وبركةً في الذرية، واجعل بيوتهم عامرةً بذكرك، وضيوفهم دائمًا من أهل الودّ والقبول. اللهم من فتح بيته بمحبة، فافتح له أبواب فضلك، ومن أكرم عبدًا من عبادك، فأكرمه بكرمك الذي لا حدّ له، واجعل هذه الذكريات شاهد صدقٍ لا عليهم، وأثراً طيبًا يمتدّ ما امتدّ العمر. إنك وليّ ذلك والقادر عليه اللهم كما جمعتنا على ودٍّ خالص، فاجمعنا دائمًا على طاعتك، واجعل بيوت الكرم هذه مظلّة خيرٍ لا ينقطع ظلّها. إنك كريمٌ لا تردّ القاصدين، ولطيفٌ بعبادك حيث لا يشعرون