|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في مؤسسات العالم، لا تُقاس العظمة بحجم المباني، ولا بعدد المانحين، ولا بما يتردد في الإعلام من ضجيج، بل تُقاس باللحظة التي تقف فيها المؤسسة أمام مرآتها بشجاعة، وتواجه سؤالها الأكبر: هل نمضي كما نحن… أم نصعد كما يجب؟ وهنا تبدأ الحكاية. كانت المؤسسة – التي نتحدث عنها – واحدة من تلك الأسماء التي تلمع في السماء. لها سمعة لا تُشترى، وشواهد لا تُزوّر، وكفاءات يشهد لها القريب والبعيد بالمهنية والرشد. كانت تمشي بين المؤسسات بثقة، وبداخلها يقين أصيل أن العمل العام رسالة لا يتقدمها إلا الأوفياء. لكن التاريخ لا يكتب بالنيات، بل بالقرارات.
الفصل الأول
بعد مرور ثلاث سنوات من تنفيذ الخطة الاستراتيجية، اجتمع الخبراء – من داخل المؤسسة وخارجها – ليضعوا دراسة تحليل أداء شاملة. لم تكن مجاملة، ولا تقريرًا يُرفع للرف، بل كانت مرآة حقيقية حملت:
- نقاط القوة بلا مبالغة
- مواطن الضعف بلا تجميل
- توصيات تصحيح المسار بلا مواربة
ثم أُتبعت دراسة ثانية بعد أربع سنوات، أكثر دقة، وأكثر حساسية، لأن المؤسسة كانت تقف عند منعطف بالغ الأهمية: بقي عام واحد فقط على نهاية الخطة الاستراتيجية، والعام الأخير عادة هو فصل الحسم… فصل وضع النقاط على الحروف. رأى الخبراء – بضمير هندسي وبصيرة إدارية – أن المؤسسة تحتاج إلى:
- إرجاء أي تعديل هيكلي،
- وقف التصعيد الوظيفي،
- تجميد الترقية،
- والبدء فورًا بإجراءات تصحيح المسار.
كانت التوصيات واضحة كصفحة فجر، وشفافة كعين ماء، ومهنية لدرجة أنها لا تُرضي الجميع… لكنها تُنقذ الجميع. قال بيتر دراكر: “ما يُقاس يُدار، وما لا يُقاس يتلاشى.” وقد قيل لهم: ها هي القياسات… فهل نبدأ الإدارة؟ لكن شيئًا آخر كان ينتظر خلف الستار…
الفصل الثاني
رغم وضوح التوصيات، ورغم توقيع الإدارة عليها، بدأت الأيام تتزحلق كما تتزحلق الرمال من بين الأصابع. لا شيء تغيّر. لا إجراء. لا مراجعة. لا خطوة تصحيحية واحدة تُذكر. ولأن المؤسسات لا تسقط في يوم، بل تتراجع ببطء، تمددت الفجوة بين ما اتُّفق عليه وما نُفّذ، كما يتمدد الليل حين ينسحب الضوء. ومضت الأشهر تتثاقل… ثم انتهت الخطة الاستراتيجية بالكامل، كأنها قطار وصل إلى محطته الأخيرة دون أن يحمل الركّاب الذين كانوا ينتظرون. هنا قال أحد الخبراء بمرارة هادئة: “أسوأ ما يصيب المؤسسات ليس الخطأ… بل تجاهل فرصة تصحيحه.”
الفصل الثالث
بعد انتهاء الخطة، كان المتوقع أن تبدأ المؤسسة بالإجراءات التي ظلّت مؤجلة: مراجعات، إعادة تموضع، مراجعة أداء، ضبط مسار… لكن المشهد أخذ طريقًا آخر. بدأت المؤسسة تتزين بإطلالات إعلامية راقية، وتصاميم أنيقة، وعبارات لامعة عن الإنجاز والريادة-وكأنها تريد أن تُرى، أكثر مما تريد أن تُصلح. وليس في الإعلام خطأ، بل الخطأ حين يتحول من وسيلة إلى غاية. حين يصبح الظهور أهم من الأثر. حين تكون الحكاية أجمل من الحقيقة. قال أنور إبراهيم: “القيادة ليست أن تكون على المسرح… بل أن تحرك ما خلف الستار.” لكن ما خلف الستار كان ساكنًا، بلا قرار، بلا مراجعة، بلا تلك الديناميكية التي تحفظ للمؤسسة مكانتها.
الفصل الرابع
في الاجتماعات المغلقة، كان الخبراء يعرضون الحقائق بوضوح: أداء يحتاج ضبطًا، توجيه يحتاج تصحيحًا، مسار يحتاج إعادة هندسة. وفي الوقت ذاته، كان بعض الأطراف يفضلون إظهار المؤسسة في صورة براقة، إعلاميًا، رمزيًا، احتفاليًا… حتى إن كانت الواقعيات تقول: لا نجاح بلا تعديل… ولا استدامة بلا شجاعة. وهنا اتضحت فلسفة القيادة في تلك المرحلة:
- هل نختار الاحتفال باللحظة، أم صناعة القادم؟
- هل نرضى أن نكون اسمًا جميلًا، أم مؤسسة قوية؟
- هل نغلب الصورة… أم ننحاز للحقيقة؟
قال الإمام الشنقيطي: “الحق ثقيل، وحمل الأمانة أثقل، لكنه الباب الوحيد إلى الرضا الداخلي.”
الفصل الخامس
عاش الفريق المهني تجارب متباينة: إحساس بالمسؤولية، إحساس بالواجب، إحساس بالقلق على مؤسسة تستحق الأفضل. كانوا يدركون أن المؤسسة ليست مجرد عمل، بل صدقات جارية، وأحلام باقية، ووجوه تنتظر العون، وأطفال ينتظرون الدواء، وأسر تنتظر الرحمة. وكان السؤال الأكبر: هل يحق لنا أن نسكت، بينما تنحرف البوصلة؟ والجواب كان واحدًا: لا. في العمل المؤسسي، السكوت ليس حيادًا… بل مسؤولية ضائعة. والتأجيل ليس تسامحًا… بل تقصيرًا في حق المستفيد.
الفصل السادس
عند نهاية كل قصة، هناك درس. وهذا المقال ليس مجرد سرد… بل مرآة. مرآة تقول للقيادات جميعًا:
- إن الخطة الاستراتيجية ليست وثيقة تُطوى، بل مسار يُتَابع.
- وإن المؤسسة لا تبنى بالرموز البصرية، بل بالقرارات الصعبة.
- وإن القيادة ليست منصبًا، بل تكليفًا.
- وإن الثقة لا تُشترى… بل تُكسب.
- وإن الأمانة بالمنظومة المؤسسية ليست مستحبة… بل واجبة.
قال إبراهيم الفقي: “الفرق بين القائد والمدير أن الأول يبني إنسانًا، والثاني يبني ورقًا. والمؤسسات التي تبقى هي التي تختار الأول.
وقبل الختام
في لحظة الحقيقة، تقف المؤسسة أمام قيادتها، كما يقف الطفل أمام والده… ببراءة سؤال لا يقال: هل حفظتم الأمانة؟ وحفظ الأمانة ليس شعارًا، ولا سلسلة تغريدات، ولا حملة إعلامية، بل هو: قرار في الوقت الصحيح، تصحيح للمسار ولو كان مؤلمًا، مواجهة الواقع بلا تجميل، وتذكّر أن كل تأخير… يُؤخّر مستفيدًا ينتظر رحمة الله عبر هذه المؤسسة، القائد الحق هو الذي يقلب الصفحة لا ليُخفي ما سبق، بل ليكتب أفضل ما يلي. هو الذي ينحاز للواقع لا للزينة، للحق لا للراحة، للمسؤولية لا للمجاملة. والتاريخ لا يرحم… لكنه يُنصف. وسيكتب -إن شاء الله – أن هذه المؤسسة امتلكت في لحظة ما شجاعة الوقوف، وشجاعة المراجعة، وشجاعة أن تكون أقوى من صورتها.
الخاتمة
لم تكن الحكاية قصة مؤسسة فحسب، بل كانت قصة ضمير. قصة رجال ونساء وقفوا في منتصف الطريق، ينظرون إلى ما مضى بحكمة، وإلى ما سيأتي بأمل، ويتساءلون: من نحن إن لم نحفظ الأمانة؟ في العمل العام، الأمانة ليست خيارًا… إنها قدر. وكل قدر يصنع الاختبار. لقد علّمنا التاريخ أن المؤسسات التي تتهاوى لا تسقط من الخارج، بل تسقط عندما يتعب الداخل، عندما يضعف القرار، عندما يختار القائد “الهدوء” بدل “التصحيح”، وعندما تتقدّم الدعاية على البناء، وتسبق الرمزيةُ الحقيقةَ في المشهد. لكن…المؤسسات العظيمة لا تُهزم. قد تتعثر، وقد تتأخر، لكنها ما تلبث أن تقوم عندما تجد قيادة تعرف أن الشجاعة ليست في الكلام، بل في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصعب.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا خير في قوم ليسوا بناصحين، ولا خير في قوم لا يحبون الناصحين.” وهذا المقال – وإن كان أدبيًّا – هو نصحٌ لا يُريد إلا خيرًا، وحرصٌ لا يهدف إلا إلى رفع الذكر، وتثبيت القيمة، واستعادة الاتجاه. وعندما نقول “قيادة المؤسسة” فنحن لا نشير إلى فرد، بل إلى منظومة، إلى عقل مؤسسي يجب أن يبقى يقظًا، لا ينام أمام وهج الإعلام، ولا يخدع نفسه بالثناء المؤقت. فالأثر الحقيقي لا يظهر في الصفحات، ولا في اللافتات، بل يظهر في حياة إنسان تغيّرت بفضل قرار صائب، أو رؤية مُخلصة، أو مراجعة شجاعة.
وحين تجلس القيادة مع ذاتها، في تلك اللحظة التي لا يراها أحد، ستدرك أن التاريخ لا يحفظ الكلمات، لكنه يحفظ الأفعال… يحفظ من وقف، ومن انحاز للحق، ومن اختار أن يُعيد للمؤسسة روحها، ومسارها، وصدقيتها. وبين كل هذا، يبقى الدرس الأبلغ: أن المؤسسة التي تُراجع نفسها تنجو… والمؤسسة التي تُكابر تتلاشى… والمؤسسة التي تختار الحقيقة على الزينة تعلو، وإن خالفها الناس. إن واجب الأمانة على قيادة المؤسسة ليس بندًا في نظام، ولا فقرة في لائحة، بل هو هوية. هوية تحفظ قدسية العمل، وتقدّس أثره، وتكتب في صحائف التاريخ أن هذا المكان لم يُبنَ للزينة، بل بُني ليكون جسرًا بين حاجات الناس ورحمة الله. وحين تُفتح الصفحة التالية من عمر المؤسسة، ستكون الكتابة فيها مختلفة… أكثر صدقًا، أكثر واقعية، وأكثر رسوخًا. لأن القيادة – حين تحمل الأمانة كما يجب – لا تُصلح مؤسسة فقط… بل تُصلح قدرًا كاملًا من الأثر.