رثاء لا يُكتب بالحبر… بل بالدمع

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم أكن أعرف أن الموت يستطيع أن يكتب …حتى جاءني خبر رحيل المعلمة زينب الشرقاوي، فشعرتُ أن قلبي-ليس قلمي-هو الذي انكسر أولًا. ذلك الخبر الذي لم يمر عليّ كخبرٍ عابر، بل كجرسٍ يعود بي ثلاثين عامًا إلى الوراء… إلى الكويت، إلى لقاءٍ لم أكن أعلم أنه سيكون البداية لصداقةٍ تشبه الأخوّة، بيني وبين ابنها محمد فوزي، صداقةٌ نماها القرآن، وربّتها الأيام، وثبّتها المواقف، حتى أصبحت جزءًا من سيرتي قبل أن تكون جزءًا من سيرته. لم تكن الوالدة-رحمها الله-إسمًا في ذاكرة أسرة، بل صفحة في ذاكرة الأمة. امرأةٌ عاقلة، وقورة، رقيقة، تمشي بالقرآن كما تمشي الأرواح بالنبض. يقول الإمام الشاطبي: “القرآن يربي أهله قبل أن يربي الناس.” وهي من القلائل الذين يصدق عليهم هذا القول، ولا نزكي على الله أحدًا.

الإضافة الأولى: لحظة الانكسار الكبرى

ولمّا جاءني خبر رحيلها… عاد بي الزمن إلى كويت التسعينيات. إلى ظهيرة حارة كنّا نقف فيها-أنا ومحمد-عند باب مسجد صغير في حولي، ننتظر صلاة العصر. يومها، نظر إليّ وقال بكلمة لم أنسها منذ ثلاثة عقود: “أمّي… ليست مجرد أم. أمّي هي الدرس الذي لم يُكتب في كتاب.” وقفتُ صامتًا. كانت الجملة أكبر من عمرنا وقتها، لكنني اليوم فقط أدركت معناها… أدركت أن بعض الكلمات لا نفهمها إلا بعد أن يُسدل الستار. كانت تلك اللحظة هي أول خيط خفي يصلني بالمعلمة زينب… خيط لم أكن أعرف أنه سيمتد ثلاثين عامًا ثم ينقطع بخبر رحيلها.

الدهشة الأولى: خبر… يفتح أبواب التاريخ

حين بلغني خبر وفاتها، لم أبكِ أولًا… بل سقطتُ في صمتٍ طويل. كنتُ كمن يسمع بانطفاء سراجٍ كان يضيء بيتًا كاملاً من غير أن يشعر أهله. ثم بعد ساعات، وصلني صوت ابنها محمد… صوت لا يشبه صوتًا سمعته منه منذ عرفته قبل ثلاثة عقود. قال: “أخي الحبيب محمد… أحمد الله أن رزقني بك أخًا مخلصًا، وقد فجّر مقالك في قلبي ذكريات مسيرة أمي مع القرآن…” كانت تلك الرسالة مفاتيح خزائن ظلّت مغلقة عشرات السنين. وحين فتحها… خرج منها تاريخ، وجهاد، ودمع، ورضا، وصبر جميل.

الدهشة الثانية: امرأة لا يعملها الزمن… بل تعمل هي في الزمن

بدأت رحلتها عام 1982، يوم أن أنشأت وزارة الأوقاف في الكويت دور القرآن. لم تذهب لتدرّس… بل ذهبت لتُسهم في كتابة مناهج هذه الدور مع نخبة من العلماء. وما إن انتهت من وضع اللبنات الأولى… حتى بدأت تدرب الأجيال الأولى من معلمات القرآن. كانت تقرأ القرآن وكأنه يُعاد نزوله. وكانت تُدرّسه وكأنها تقرأ رسائل من السماء مباشرة إلى القلوب. تنقلت بين العديد من المؤسسات، تذكرت حينها قول ابن المبارك: “هل رأيتَ أحدًا يخدم القرآن ثم يخيّبه الله؟” وأجابت سيرتها قبل لسانها: لم يحدث… ولن يحدث.

الإضافة الثانية: الجملة الخالدة

وفي كل محطة من محطاتها كانت تثبت حقيقة واحدة: “كانت تسافر ببلد… وتبقى بقرآن.” هذه الجملة ليست وصفًا… إنها خلاصة حياة.

الدهشة الثالثة: هجرة… لكن نحو القرآن

غادرت الكويت إلى مصر، ثم إلى أمريكا، ثم إلى كندا. لم تكن مهاجرة من بلدٍ إلى بلد… كانت مهاجرة من باب خدمة إلى باب أجمل، هناك أسست معهدًا لتعليم القرآن للمسلمين غير الناطقين بالعربية. وفي دالاس حملت القرآن إلى المساجد الثلاثة، صباحًا وظهرًا ومساءً، كأنها تحمل مع كل تلاوة جزءًا من شوق مكة على ملامحها. وفي كندا… كانت النهاية التي تشبه البدايات الطاهرة. مرضت، نعم… لكن المرض لم ينتزع منها القرآن. بل ألّفت كتابًا في التجويد باللغة الإنجليزية وهي على سرير المستشفى. كتابًا قال عنه ابنها: “استلمته وأنا أبكي… فقد كانت تكتبه لتنال رضى ربها، لا ليقال إنها ألفت.” وهنا تذكرت قول ابن الجزري: “من شُغل بالقرآن كفاه الله.” وأيقنت… أن الله لم يرفع عنها العطاء إلا حين رغب أن يرفعها إليه.

الدهشة الرابعة: رسالة ابنها

لم تكن رسالة الصديق محمد تعليقًا على مقال…كانت مشهدًا يرى فيه الابن أمه من زاوية لم يرها من قبل: زاوية من يعرف قدرها دون أن يعيش معها في كل تفاصيلها. وقد كان من الوفاء أن تلتقطها اليد التي كتبت الرثاء الأول… فتحولها إلى لوحة خالدة، لا تقول للناس: “رحلت امرأة.” بل تقول: “هنا مرت معلمة… صنعت قلوبًا، غرست آيات، خلّفت مراكز، زرعت تلاوات، وتركت في الأرض نورًا لا ينطفئ.”

الدهشة الخامسة: ذلك اللقاء القديم

كل شيء بدأ من الكويت. بلد طيب جمعنا تحت سقف واحد، وترك بيني وبين هذا الابن أخوّة لا تعبث بها السنوات. كبرنا، وهاجرت بنا الحياة، وتفرّقت بنا الأقدار… لكن الخيط الذي يربطنا كان من القرآن، وخيط القرآن لا ينقطع. كنتُ حين أقرأ رسالته الأخيرة… أشعر أن السنوات الثلاثين التي عبرت بيننا لم تكن إلا سياقًا لهذا اليوم، يوم أن يكتب الله لي شرفًا صغيرًا… أن أرثي امرأةً عظيمة.

الإضافة الثالثة: رسالة إنسانية خالدة

رحم الله المعلمة زينب الشرقاوي، امرأة لم تعرف إلا خدمة كتاب ربها. امرأة أثبتت للناس أن القرآن لا يكتب في المصاحف فقط…بل يُكتب، كما قال السيوطي: “في السلوك قبل السطور”. إن رثاءها ليس حزنًا على رحيلها… بل تقديرًا لمشروع عمرٍ عاشته لتعليم آية قد تغيّر قلبًا، أو تضيء بيتًا، أو تهدي إنسانًا. وفي عالمٍ يرحل فيه المشاهير ويُكتب عنهم الكثير…ترحل مثلها بهدوء، وتترك ما لا يتركه غيرها: أجيال… وآثار… ومراكز… وقلوب تحفظ القرآن كما كانت تُسمعه. هذه ليست قصة امرأة. هذه رسالة للعالم: أن القدوات الحقيقيات لا يراهن الناس في القنوات… بل يراهن الله في صحائف الخلود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top