القيادة بين المبادئ والسلطة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في قلب مدينة كبيرة، على شارع يتخلله صخب العمل والحياة اليومية، كانت هناك مؤسسة عريقة، لا تُرى مجرد مبانٍ وأوراقًا، بل كيان حي ينبض بأفكار أفراده، ويحتوي على روح خاصة تمثل القيم الأساسية: النزاهة، الاستقلالية، الشفافية، والمسؤولية.

المؤسسة كانت مثل سفينة ضخمة في بحر هائج. كل فرد على ظهرها يعرف دوره، كل قسم مرتبط بالآخر، وكل قرار يتخذ له تأثير مباشر على مسار السفينة. كان الموظفون كجنود مجهزين بالمهام، والمديرون كقباطنة يعرفون أن أي انحراف في القرار قد يُبعد السفينة عن طريقها، وأي تردد قد يجعلها تتأرجح بين النجاح والفشل.في هذه المؤسسة، كان هناك ما يُسمى بـ “الروح المؤسسية”: مجموعة من المبادئ الحية التي تمنع الانحراف، وتجعل القرارات تتخذ وفق المصلحة العامة وليس وفق المصالح الشخصية أو الضغوط الخارجية. ومع ذلك، كما يحدث في كل المؤسسات على مفترق طرق، هناك لحظة اختبار، لحظة يختبر فيها القائد وأعضاء المؤسسة حقيقية المبادئ والكرامة.

المشهد الأول… الغرفة الكبرى ولقاء القيادة

في صباح يوم شاحب، اجتمع المدير العام والمدير التنفيذي والخبير الاستراتيجي في الغرفة الكبرى، حيث الطاولات المصفوفة بعناية، والملفات والوثائق كأنها تعكس النظام الداخلي والصرامة المهنية. لم يكن الاجتماع روتينيًا، بل كان محكمة حية للنزاهة والشفافية.

كان المدير العام يستحضر الأرقام لا بوصفها جداول صامتة، بل كشواهد حيّة على انحرافاتٍ طرأت على مؤشرات الأداء، وقراراتٍ اتُّخذت خارج الإطار المنضبط، تهدد جوهر المصداقية قبل أن تمس النتائج. حديثه لم يكن اتهامًا، بل إنذار مسؤول يدرك أن الانحراف إذا تُرك، يتحول إلى نهج. ثم جاء دور المدير التنفيذي، لا ليجادل، بل ليعيد ترتيب الصورة. تحدّث عن الاختصاصات والصلاحيات، عن الإجراءات والسياسات كما ينبغي أن تُفعَّل لا كما كُتبت، محاولًا أن يوازن بين ما خُطِّط له بعناية، وما فرضه الواقع بتعقيداته. كان حديثه بحثًا عن اتساقٍ مفقود، لا تبريرًا لخلل. وأخيرًا، جلس الخبير الاستراتيجي في هدوء العارف. لم يتقدّم كناقدٍ من الخارج، بل كمرآة صادقة تعكس الحقيقة كما هي. كل نقطة ضعف، كل خللٍ متراكم، وكل تهديدٍ صامت للمبادئ المؤسسية، أظهره بوضوحٍ لا يجرح، وبصرامةٍ لا تجامل. كان حضوره تذكيرًا بأن الرؤية إن لم تُراجع بصدق، تتحول من بوصلة إلى عبء.

المشهد الثاني… المؤسسة كشجرة عريقة

لتوضيح الصورة، المؤسسة كشجرة عملاقة:

  • جذورها تمثل المبادئ والقيم الأساسية، التي تمنحها الثبات أمام كل عاصفة.
  • الجذع يمثل القيادة، إذا اتسمت بالعدل والوعي يمكنها دعم كل غصن وفروع المؤسسة.
  • الأغصان والفروع تمثل الموظفين والأقسام، كل واحد يتحرك وفق مسؤولياته، لكن متصل بالجذع والجذور.
  • الأوراق والثمار هي المخرجات والإنجازات، تعكس جودة العمل وتفاني الأفراد.

إذا ضعفت الجذور أو اتسم الجذع بالضعف أو الانحراف، تتأرجح الفروع، تذبل الأوراق، وتسقط الثمار. ولكن إذا كانت الجذور قوية والقيادة عادلة، تصبح الشجرة صامدة، مهما كانت قوة العواصف.

المشهد الثالث… العاصفة والتحدي

تخيل أن الرياح القوية بدأت تهب على المؤسسة. اتهامات بلا دليل، ضغط خارجي، قرارات أحادية تُلحق الضرر بالسمعة الداخلية، وصمت من كان من المفترض أن يحمي المبادئ. أصبح كل فرد أمام خيار صعب: إما الانصياع والخضوع، أو مواجهة المخاطر دفاعًا عن الحقيقة. القيادة الحقيقية هنا تظهر في شكلها الأوضح: ليست في إصدار الأوامر، أو حماية المصالح الشخصية، بل في حراسة المبادئ، وضمان قدرة المؤسسة على الدفاع عن نفسها حتى في مواجهة النقد أو التهديد. من يترك المؤسسة بلا حماية، يُعرض نزاهتها للانهيار، ويصبح كل إنجاز سابق بلا قيمة.

 خارطة القيادة الحية

من خلال الحوار والتحليل، ظهرت التاءات الخمسة عشر التي تمثل خارطة طريق لحماية المؤسسة والقيادة الحقيقية:

  1. التعيينات: اختيار الأشخاص الأكفاء بناءً على الأهلية والنزاهة.
  2. القرارات: حكمة وجرأة مع تحمل كامل للعواقب.
  3. الاختصاصات: وضوح الأدوار لمنع التضارب والفوضى.
  4. الصلاحيات: توزيعها بعدالة لمن يملك القدرة على استخدامها بوعي.
  5. الإجراءات: خطوط واضحة تحمي المؤسسة من الانحراف.
  6. السياسات: انعكاس للقيم الحقيقية، لا شعارات فقط.
  7. الماليات: معيار نزاهة وشفافية، دليل على استقامة المؤسسة.
  8. العلاقات: التوازن بين الاحترام والاحترافية.
  9. الاجتماعات: منصة للمساءلة والتحليل، وليست روتينًا.
  10. المؤشرات: أرقام حقيقية تظهر النجاح أو القصور.
  11. المخرجات: تقييم الأداء بشكل دقيق وموضوعي.
  12. التقييمات: عدل حقيقي بين من يستحق الدعم ومن يحتاج للإصلاح.
  13. المجاملات: التمييز بين اللطف والتحايل على القيم.
  14. التحسينات: تطوير مستمر للحفاظ على روح المؤسسة.
  15. الالتزامات: الوفاء بالمسؤوليات وتعزيز المصداقية واستدامة الأداء

كل تاء هنا تمثل شعاع نور في غرفة مظلمة، تحمي المؤسسة من الانحراف، وتؤكد أن كل قرار وكل خطوة محسوبة بدقة.

الحياة اليومية في المؤسسة

داخل هذه المؤسسة، كل لحظة هي اختبار: موظف يواجه قرارًا أخلاقيًا، لجنة تتعامل مع تقرير متناقض، مدير يسأل نفسه عن مسؤوليته، والخبير الاستراتيجي يراقب، يحفز الجميع على مواجهة الحقيقة بلا خوف. المؤسسة ليست مجرد مكان عمل، بل تجربة حية للقيادة، للمبادئ، وللنزاهة. كل جلسة، كل اجتماع، كل تقرير، يعكس صراعًا بين قوة المبادئ وضغط السلطة. هنا تتضح الصورة: القيادة ليست مجرد منصب، بل مسؤولية مستمرة، والمبادئ هي الدرع الذي يحمي المؤسسة من الفساد والانحراف.

دروس قيادية

من هذا المشهد، يمكن استخلاص عدة دروس قيادية قابلة للتطبيق:

  1. حماية المبادئ قبل الأشخاص: أي مؤسسة تُترك بلا حراسة لمبادئها تتعرض للفوضى.
  2. الشجاعة في مواجهة التحديات: القيادة ليست عن السيطرة، بل عن الجرأة في مواجهة الحقائق الصعبة.
  3. تمكين الأفراد: الأعضاء يجب أن يكونوا قادرين على الدفاع عن أدوارهم ومبادئهم.
  4. الشفافية والمساءلة: أي غموض في القرارات أو الاتهامات يضعف المؤسسة.
  5. التوازن بين القوة والعدل: القوة بلا عدل تهدم المؤسسة، والعدل بلا قوة لا يحميها.

كل هذه الدروس تجعل المؤسسة كالشجرة العريقة، صامدة أمام الرياح، مزدهرة في خضم التحديات، ومتوازنة في كل قراراتها.

القيادة التي تنقذ المؤسسات

في نهاية المطاف، القيادة الحقيقية هي التي:

  1. تحمي الجذور قبل الأغصان، المبادئ قبل الأشخاص.
  2. تمنح الأفراد الحق في الدفاع عن أنفسهم.
  3. تحافظ على استقلالية المؤسسة ككيان حي، لا مجرد واجهة.
  4. تحول التحليل إلى حكاية، والحكاية إلى درس، والدروس إلى إرث لا يُنسى.

عندما يتوافر هذا التوازن، تصبح المؤسسة قادرة على الصمود أمام كل عاصفة، مهما كانت قوة الرياح، ويصبح أثر القيادة حيًا ومستمرًا، ليس للقائد فقط، بل لكل من ساهم في بناء المؤسسة وحمايتها. وهكذا… تبقى القيادة الحقيقية نورًا يضيء المؤسسة، ويجعلها حيّة، صامدة، وراسخة، رغم كل التحديات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top