|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم تكن تلك الزيارة العابرة التي التقطتها صورة بين رجلين فقط، بل كانت مشهدًا إنسانيًا يليق بأن يُروى في كتب التربية والأخلاق. زيارةٌ حملت في طيّاتها زمنًا طويلًا، وعلاقاتٍ ظنّ البعض أن صفحاتها طُويت، فإذا بها تُفتح من جديد، ولكن بيدٍ أنقى، وروحٍ أصفى، ووفاءٍ أعمق. جاء العزيز من البحرين، يعبر الجسر كما لو أنه يعبر جسرًا داخل قلبه، لا يحمل حقيبة ملفات، ولا يطرق باب مكتب، ولا يبحث عن علاقة وظيفية فقدت ظلها منذ بداية التسعينات، بل جاء ليقول للرجل الذي كبُر سنّه وضعفت ملامحه: أنا ما زلت أذكرك… وما زال للخير الذي زرعته في قلبي جذور لا تموت.
عبورٌ لا يقطعه إلا الحب
حين وصل الزائر، لم يأتِ بصفته مديرًا لمكتب إقليمي لمنظمة رائدة، ولا بصفته رجلًا من جيل المخضرمين الذين اعتادوا أن تُقاس الرحلات بحجم المسؤوليات. جاء هذه المرة بصفةٍ لا تُمنح، بل تُكتسب: صفة المحبّ. كان يمكنه أن يعتذر بانشغاله، أو يُرسل رسالة قصيرة، أو حتى يكتفي بالدعاء من بعيد، لكن القلوب الكبيرة لا تكتفي، لأنها تعودت أن تبذل بلا ضجيج، وأن تحافظ على الودّ، حتى لو انطفأت أضواء الوظيفة وانتهت الاختصاصات. وهناك، في تلك الغرفة الهادئة، كان الدكتور سعيد جالسًا، وقد أثقلته الشيخوخة بوقارها، ورفعت على كتفيه سنوات من الخدمة والخلق والمعرفة. لم يكن يحتاج إلى دواء بقدر ما كان يحتاج إلى لمسة وفاء، وجاءته من رجلٍ لا تجمعه به مصلحة، ولا يربطه به عمل، ولا يفرض عليه أحد ذلك، ولذلك كانت الزيارة أكثر صدقًا من كل علاقات الدنيا.
اختلاف الجنسيات… واتحاد الأرواح
جميل أن يلتقي أبناء الوطن على أرض واحدة، لكن الأجمل أن ترى قلبين من ثقافتين مختلفتين يلتقيان في انسجام تام، لا يربطهما إلا ما جمع الله بين القلوب: المحبة الصادقة والاحترام المتبادل، حيث تتجلى كفاءة الإنسان وفضيلته في جوهره، بعيدًا عن لون الجلد أو جنسية الانتماء. لكنّ القلوب لا تتساوى، فهناك قلب يزور حين ينسى الناس، وهناك قلب يتذكّر حين ينشغل الناس، وهناك قلب ينبض للآخرين رغم المسافات والسنين وانقطاع المصالح. هذه الزيارة كانت من النوع الثالث، زيارة قلوبٍ تعرّفت على بعضها يوم كانت الأخلاق هي الرابط، وبقيت على عهدها حين انفضّت الدنيا من حولها.
الفارق بين الجيلين… جسرٌ من التربية
كان بين الرجلين فارق عمر يقارب عقدين، لكن ذلك لم يمنع المودة من أن تتسع. بل لعل الفارق ذاته كان سرًّا من أسرار هذا الوفاء. الرجل الكبير، د سعيد، عاش سنواته بتربيةٍ راسخة، وربّى أجيالاً أحسنت الظنّ بالعلم والخلق والعمل الصادق. والرجل الزائر – القادم من البحرين – كان أحد الذين مرّوا في دائرة هذا الأثر، فحمل معه ما يتركه المربّون الكبار من بصمات لا تزول. وقد قال الشافعي: “إذا أحببتَ أخًا لك في الله، فتمسّك به، فإن القلوب الطيبة قلّما يجود بها الزمن مرة أخرى.” فكيف إذا كان هذا الأخ معلمًا وربّانيًا، لا يميّز بين الناس إلا بالخير؟
حين تزور الوفاء… وليس الشخص
وقف الزائر أمام الشيخ الكبير، ينظر في ملامح تعبها الزمن، وترويضها الخبرة، وكسوتها البياض. في وجه د سعيد علاماتٌ لا تُخطئها العين: تاريخٌ طويل من العطاء. أما الزائر، فقد وقف بخشوعٍ يشبه خشوع الصلاة، لا لأنه يزور رئيس لجنة طبية سابق، ولا لأنه يزور شخصًا كان يومًا ما مسؤولًا عنه، بل لأنه يزور مجمل صفاته الطيبة. وهنا نتذكّر قول الحسن البصري: “إنما يعرف الفضلَ من الناس ذووه.” فالفضل لا يقرؤه إلا القلوب التي تشرّبت التربية الصحيحة.
الزمن يطوي الوظائف… ولا يطوي الأخلاق
منذ بداية التسعينات انتهت العلاقة الوظيفية بين الرجلين. قُطعت ملفات العمل، تغيّرت المناصب، توقفت المعاملات، وفتح كل واحد منهما صفحة جديدة في حياته. لكن… هل يطوي الزمن علاقة صيغت بالخلق؟ هل تنتهي الذاكرة حين تكون النوايا كبيرة؟ الجواب جاء في خطوة الرجل الذي حمل نفسه من البحرين إلى الكويت، وجاء في تلك اللحظة التي أمسك فيها بيد الدكتور سعيد، وقد بدت عليه علامات الشيخوخة، وقال له بعينه قبل لسانه: “ما زلت في القلب.” وهنا يصدح قول: “الخلق الجميل هو الذي يبقى إذا تفرّق الناس.”
الزيارة التي أعادت ترتيب المشهد
ليست كل الزيارات تُبكي، لكن بعضها يوقظ في الإنسان معنى لم يعد ينتبه إليه. في تلك الصورة التي وصلت، ظهر الزائر إلى جانب د سعيد، وكأن وجوده شاهدٌ على هذا المشهد النادر. صورة ليست عالية الجودة، ولكنها عالية القيمة، تُظهر ضعفا جميلا، ومهابة شيخٍ حفظ ودّ الناس، وتُظهر رجلاً وقف إلى جواره بإخلاص. هنا، تنفتح في القلب نافذة سؤال: كم من علاقات ظنّ الناس أنها انتهت، لكنها ما زالت تعيش في قلوب أصحابها؟
دروسٌ يكتبها المربّون ولا تُدرّس في الجامعات
هذه الزيارة ليست ترفًا وجدانيًا، بل درس تربية عميقًا، من النوع الذي لا يدرّس في جامعات الإدارة أو الطب، بل يُدرّس في جامعات القلوب. دروسها كثيرة:
- أن الأخلاق تبقى حين تسقط الأوراق الرسمية.
- أن العلاقة الوظيفية قد تنتهي، لكن الإنسانية لا تنتهي إلا بموت أصحابها.
- أن الشيخ الكبير الذي يُزار اليوم بضعفه، هو نفسه الذي كان يومًا عمادًا لكثيرين.
- أن الزمن لا يشيخ بنا وحده… بل يشيخ أيضًا بقدر ما يبقى في القلب من وفاء.
وقد قال ابن القيم رحمه الله: “من أحبّك لشيء مات حبّه بموت الشيء، ومن أحبّك لله دام حبّه ما دام الله.” وهذا المشهد دليلٌ قاطع على أن العلاقة بينهما كانت لله… خالصة، صافية، بلا منصب ولا مصلحة.
الزيارة التي أبقت جذوة الإنسانية مشتعلة
وما يزيد هذه الزيارة خصوصية، أن الرجل الذي جاء بها لم يكن مجبرًا عليها. لم يطلب منه أحد، ولم تُفرض عليه مسؤولية، ولم يربط بينهما عقد عمل. ومع ذلك جاء، كأن القلب يمشي وحده. ويا لها من رسالة للأجيال الجديدة التي اعتادت أن تقيس العلاقات بالمنفعة: ها هو مثالٌ حيّ لرجلٍ عاد إلى تاريخ قلبه لا إلى تاريخه الوظيفي.
حين يصافح الزمن نفسه
حين همّ الزائر بالمغادرة، ربما لم يقل الكثير من الكلمات، لكن عينه قالت ما يكفي لكتابة كتاب كامل. قالت: “كبرتَ في العمر… لكنك لم تكبر في قلبي.” وقال وجه د سعيد، بضعفه ووقاره: “وبقيتَ كما عهدتك… كريمًا في الوفاء.” وفي تلك اللحظة، بدا المشهد وكأن الزمن نفسه يمدّ يده ليصافح أحد أبنائه.
رسالة المقال
يا قارئ هذا النص:إن كنت تتساءل كيف تُقاس قيمة الإنسان، فانظر إلى من يعود إليه بعد ثلاثين عامًا، وانظر إلى من يقطع المسافات لزيارة رجلٍ لم يعد نافذًا ولا قادرًا ولا مسؤولًا. هذه الزيارة ليست حكاية، إنها مرآة تعكس أن أجمل العلاقات تلك التي تقوم على: طيب القلب، صدق التربية، ومروءة الرجال الذين لا تغيّرهم المناصب ولا تُنسيهم السنين. وصدق القائل “إن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه، قلبًا أحبه دون مصلحة.” وهذا ما حدث بالضبط. سلامٌ على الشيخ الذي كبر جسده ولم تكبر قيمه، وسلام على الزائر الذي جاء بوفاءٍ يمشي على قدمين، وسلام على الصورة التي أعادت للقلوب معناها، وسلامٌ على العلاقات التي تبقى لأنها خُلقت من نور.
