|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
قيل لعمر بن عبد العزيز: “يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تمردت وساءت أخلاقها، ولا يقومها إلا السوط.” فقال الرجل الذي كان قلبه ميزانًا: “كذبتم، يقومها الحق والعدل.” هكذا، بكلمتين من نور، هدم عمر مدرسةً كاملة من التفكير، وأعاد تعريف القيادة: أن تكون روحًا قبل أن تكون سلطة، وأن يكون القائد ضميرًا قبل أن يكون حاكمًا، وأن يكون العدل هو القانون الحقيقي الذي تستقيم به النفوس. ومن هاتين العبارتين تبدأ قصة القيادة التي افتقدها كثير من الناس… تلك القيادة التي لا تبحث عن الانضباط بالعقاب، بل تبحث عن الارتقاء بالقدوة، قيادة تُعيد للإنسان إنسانيته قبل أن تطالب منه إنتاجيته.
الفصل الأول: حين تشرق القيادة من قلب لا من كرسي
القائد الذي يستمد هيبته من السوط هو قائد خائف… والقائد الذي يستمد هيبته من العدل هو قائد مطمئن. في زمن عمر بن عبد العزيز، لم تكن الدولة مجرد مؤسسات، كانت أرواحًا تبحث عمّن يفهمها. وكان الناس يتعبون من القسوة، لا من القواعد. وكان الرقيق يعاني من ظلم السادة، لا من النصوص. وكان الجباة يعرفون طريق الأموال، لكنهم لا يعرفون طريق الرحمة. فجاء عمر ليعيد للكرسي قلبه، وللسلطة ضميرها، وللمُلك معناه. قال أحد العظماء: “إن القوة التي لا يصحبها عدل، عبء على صاحبها.” وقيل: “إن العدل أساس الملك.” لكن عمر لم يقل هذا… بل عاشه. وهنا يكمن جوهر القيادة: ليست في المسودات، ولا في اللوائح، ولا الصوت العالي… بل في القلب الذي يصدق، واليد التي تنصف، والضمير الذي يسأل أولًا: “هل يرضى الله عن هذا؟” القائد الذي يسأل هذا السؤال قبل أي قرار، هو قائد لا يُهزم.
الفصل الثاني: كيف يقيم العدلُ ما لا يقيمه السوط؟
السوط يصنع الطاعة، لكنه لا يصنع القناعة. السوط يوقف الفوضى، لكنه لا يبني حضارة. السوط يخيف الأجساد، لكنه لا يهذب القلوب. أما العدل فيفعل شيئًا أعمق: يجعل الإنسان يقوّم نفسه بنفسه… يجعل الموظف يستحي من ظلمه لزميله… يجعل المدير يفكّر ألف مرة قبل أن يضع قرارًا يؤذي أحدًا… يجعل المؤسسة تبدو وكأن فيها “عينًا من نور” تراقب الجميع، دون أن ترفع عصًا في وجه أحد. العدل ليس نظامًا مكتوبًا؛ العدل روح. وحين تحضر الروح يعتدل الميزان. قال الإمام علي: “لا يستقيم قوام الناس إلا بالعدل.” وقال عمر بن الخطاب: “لو أن بغلة عثرت بالعراق لسألني الله عنها.” فكيف لعصرٍ يبحث عن قيادة القرن الحادي والعشرين، أن ينسى هذه الوصايا التي صنعت قيادة القرن الأول؟
الفصل الثالث: القائد الذي يبني الناس قبل أن يبني الأنظمة
في المؤسسات الحديثة، نرى أحيانًا قيادات تؤمن أن تحسين السلوك لا يكون إلا بالعقود المشددة، ومذكرات الإنذار، ومحاضر التحقيق، وكأن الإنسان كائن لا يفهم إلا الألم. لكن القائد الحقيقي يعرف أن الإنسان لا يتغير بالخوف، بل بالمعنى. لا ينتج بالعقاب، بل بالاحتواء. لا يخلص بالشدة، بل بالاحترام. قال بيتر دراكر: “الثقافة تأكل الاستراتيجية على الإفطار.” لكن عمر بن عبد العزيز قال نفس المعنى قبل 1300 عام حين قرر أن “الحق والعدل” هما ثقافة الدولة، لا سياطها. القائد العظيم لا يكتب نظامًا أولًا… بل يكتب قلوبًا. يبني ثقة، ثم يضع سياسة. يؤسس هُوية، ثم يزرع مسؤوليات. الأنظمة بلا روح تتحول إلى قيود، والأنظمة بروح تتحول إلى جسور.
الفصل الرابع: القيادة التي تحيي الإنسان في داخله
في كل مؤسسة، يوجد موظف صامت، لم يُنصفه أحد، ولم يسأله أحد عن همّه. ويوجد مدير متعب، يحمل التزامًا لا يراه الناس. ويوجد عضو فريق ينتظر كلمة تقدير، لا تقريرًا جديدًا. ويوجد إنسان على الباب، يشعر أنه رقم لا اسم له. حين يأتي العدل، يبعث الحياة في هؤلاء جميعًا. العادل لا يقف فوق الناس، يقف بينهم. العادل لا يقول: “أنا أعرف.” بل يقول: “نبحث معًا.” العادل لا يضع النظام ليُعاقِب، بل ليُداوي. قال أحد الحكماء: “العدلُ سماع قبل أن يكون حكمًا.” وما من قائد يستمع بقلبه إلا كانت قراراته شفاءً لا سيفًا. القائد العادل يشبه المطر… يسقي المتواضع والمتعالي، العامل والمدير، الضعيف والقوي…لكن كل واحد منهم يزدهر بطريقته الخاصة.
الفصل الخامس: بين السوط والعدل… أيهما أطول عمرًا؟
السوط يفرض الانضباط يومًا، أسبوعًا، شهرًا… لكن العدل يصنع إرثًا لا يموت. السوط يجعل الناس تمشي في الطريق، لكن العدل يجعلهم يحبون الطريق. السوط يُنهي الفوضى، لكن العدل يمنع عودتها. في التاريخ، سقطت دولٌ كانت جيوشها عظيمة، لكن عدالتها ضعيفة. وقامت أممٌ بلا جيوشٍ قوية، لكنها ملكت عدلًا يجلب القلوب. حين يقود القائد بالعدل: يصبح الفريق عائلة، والمنشأة رسالة، والهدف عبادة، والجهد صدقة جارية. أما حين يقود بالسوط، فحتى نجاحه يحمل بذرة هزيمته.
الفصل السادس: كيف يُترجَم هذا المعنى إلى قيادة اليوم؟
- العدل في توزيع الفرص: لا تُعطى المناصب لمن يجيد الولاء فقط، بل لمن يجيد العمل.
- العدل في تقييم الأداء: الضعف يُعالج قبل أن يُعاقب، والخطأ يُفهم قبل أن يُدان.
- العدل في الإناطة بالمهام: المهام تُوزّع بعدالة تحفظ مصلحة المؤسسة، وتراعي طاقة الإنسان.
- العدل في القرارات: لا يُتخذ القرار في الغرف المغلقة، بل في مساحة من الشفافية تحترم الجميع.
- العدل في الحوكمة: الأنظمة ليست سوطًا، بل مرآة… ترى الأخطاء لتصلحها، لا لتشهّر بها.
- العدل في القيادة الروحية: القائد العادل يعرف أن الله يرى… فيعدل لأنه يُحب الله، لا لأنه يخاف الناس.
الفصل السابع: حين يصبح القائد ضمير المؤسسة
بعض القادة يوقّعون القرارات. وبعض القادة يوقّعون الحياة في نفوس موظفيهم. حين يدخل القائد العادل إلى المكان، تتحسن لغة الناس. تزداد رحمتهم، تشتد مهنيتهم، تلمع أرواحهم. كأن وجوده يضبط الإيقاع دون ضجيج… ويعيد ترتيب الفوضى دون عنف. القائد العادل لا يحتاج أن يذكّر الناس بمنصبه… بل الناس هم الذين يذكّرون بعضهم بفضله. قال الغزالي: “الملك يدوم مع العدل ولو كان كافرًا، ولا يدوم مع الظلم ولو كان مسلمًا.” وهذا ليس درسًا سياسيًا فقط… بل درس لكل قائد فريق، لكل مدير مشروع، لكل صاحب مؤسسة.
الفصل الأخير: القيادة التي تبدأ من الله… وتنتهي إلى الناس
في لحظة ما، يجلس القائد وحده. لا لجان، لا اجتماعات، لا تقارير. فقط هو وربه. وهنا يظهر معدن القيادة. هل كان يعدل لأن هناك من يراقبه؟ أم يعدل لأنه يريد أن يلقى الله بقلبٍ سليم؟ القيادة الحقيقية ليست سباقًا على تحقيق مؤشرات الأداء… بل سباقًا على رضا الله. وليست تنافسًا على السيطرة… بل تنافسًا على النور. وعندما يفهم القائد هذه الحقيقة… يصير عهده آمنًا، ومؤسسته ثابتة، وفريقه مطمئنًا.
وختامًا… يا من تسأل عن القيادة التي لا يقومها السوط… تلك القيادة التي تُقيم الإنسان قبل النظام، والروح قبل الهيكل، والضمير قبل اللوائح… اعلم أن العدل ليس خيارًا إداريًا، بل هو هواء القيادة… لا يُرى، لكنه يُحيي. وأن القائد الذي يختار أن يعدل، هو القائد الذي لا يستطيع التاريخ أن ينساه، ولا تستطيع القلوب إلا أن تحبه، ولا تستطيع المؤسسات إلا أن تزدهر تحت ظله. هذا هو معنى قول عمر بن عبد العزيز… وهذا هو المقال الذي وعدتك به أيها القارئ الصدوق، مقالٌ ينتمي إلى مدرسة من النور، ويليق بروحك التي تبحث دائمًا عن القيادة في صورتها الربانية، القيادة التي تُقيم الناس بالحق والعدل… لا بالسوط.