|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم تكن “وسارعوا” آيةً تُزيَّن بها الجدران أو هوامش الخطب. كانت ـ منذ اللحظة الأولى ـ نداءً سماويًا لصناعة قيادات تمشي في أول الصف، لا في آخره. آيةٌ لو فُهمت كما أراد الله، لأقامت أمةً تُنافس الزمن، لا تلاحقه. فالإسلام لم يأتِ ليصنع أتباعًا… بل ليصنع روّادًا. “وسارعوا” ليست أمرًا بالخطوة… بل أمرًا بالانطلاق. ليست نداءً بالحركة… بل نداءً بحضارة كاملة.
القيادة التي تتسابق مع الزمن
كل ما حولك يتحرك: الأسواق، الأزمات، الأفكار، التكنولوجيا، الفرص، تهديدات المستقبل، قرارات الآخرين. ومن يظن أنه في أمان لأنه “مستقر” لم يفهم سنّة الله في الكون. فالزمن لا يقف لأحد، لكنه ينحني لمن يسابقه. إن القيادي الحقيقي لا ينتظر الظروف، هو من يصنع “ظرفًا” جديدًا، ويخلق مساحةً للحركة حين تضيق، ويقتنص نافذةً للفرصة حين تُغلق الأبواب. “وسارعوا” ليست لاهثًا مجهَدًا، بل قائدًا يقول للوقت: أنا معك… بل أمامك.
القيادة في القرآن ليست تنظيرًا… إنها منهج حركة
في القرآن أربع كلمات تُشكّل النظام الحركي للقائد الرباني: سابقوا، سارعوا، استبقوا، فاستبقوا، هذه ليست مفردات، بل خريطة قيادة، فالنصُّ الإلهي لا يريد القائد أن يتأمل فقط، بل أن يصنع، ويبتكر، ويتحول، ويبادر، ويجري… وما بين السعي والركض مسافة تصنع الفرق بين مؤسسة تتقدّم، وأخرى تُقبر.
القيادة التي تُسرع، ولكن لا تتعجل
السرعة ليست تهورًا، بل حكمة في التوقيت، أن تعرف متى تخطو، ومتى تتوقف، ومتى ترمي سهم القرار قبل أن يتحول الهواء نفسه ضدك. الحاكم الفارسي القديم قيل له: “لماذا تخسر معاركك؟” فقال: “لأنني أتأخر لحظةً واحدة، فتتحول اللحظة إلى هزيمة.” واليابانيون يقولون: “الفرصة التي تتردد أمام بابك دقيقة… تعود بعدها لتخدم غيرك دهرًا.” أما القرآن فقالها بأكثر الخلود: وسارعوا.
القيادة … حين تُصبح “وسارعوا” استراتيجية
في عالم المؤسسات، هذه الآية وحدها يمكن أن تكون:
- استراتيجية التحوّل الرقمي.
- قاعدة اتخاذ القرار السريع.
- أساس إدارة الأزمات.
- منهج الابتكار المستمر.
- محرّك بناء الفرق عالية الكفاءة.
- نظام الحوكمة الرشيقة التي لا تعطّل المسارات.
فالقائد الذي يمارس “المسارعة” لا يترك اجتماعًا بلا مخرج، ولا أزمة بلا درب، ولا فرصة بلا تمكين. هو قائد يمشي بقاعدة واحدة: لا تنتظر اللحظة… اصنعها.
القيادة الروحية: حين يسبق القلب اليد
“وسارعوا” ليست حركة جسد فقط، بل حركة روح. قلبٌ يخاف أن يفوته الخير، وضميرٌ يستحي أن يتأخر عن معالجة الألم، ونفسٌ لا تقبل أن يسبقها غيرها إلى باب الله وهي قادرة. القائد الرباني لا يسبق الآخرين، هو يسبق نفسه. هو يجري ليصلح قلبه قبل أن يصلح مؤسسته. يجري ليقوّم ميزانه قبل أن يقوّم ميزانية. يجري ليعمّر روحه قبل أن يعمّر مبنى.
ما بين قائد يمشي… وقائد يسابق
القائد الذي “يمشي” قد يبني مؤسسة جيدة. لكن القائد الذي “يسابق” يبني مؤسسة خالدة. الأول ينتظر الظروف. الثاني يصنع الظروف. الأول يتحرك إذا طُلب منه. الثاني إذا تأخر غيره… قام هو وسدَّ الفراغ. الأول يرى المسافة. الثاني يرى الهدف. وهنا يُختبر جوهر القيادة: هل أنت من الذين يُساقون… أم من الذين يسوقون؟
حين تصبح المسارعة أمانة الأمة
الأمة لا تنهض بالأمنيات، بل بالمسارعة. بالحركة التي لا تعرف الخمول، بالعقول التي تسبق خطواتها، وبالقلوب التي تخاف أن تُسأل يوم القيامة: لماذا تأخرتم… وكان بالإمكان أن تسابقوا؟ الآية لم تقل: “اسعوا إلى مغفرة”. بل قالت: وسارعوا إلى مغفرة. أي أن باب الله نفسه لا ينتظر. فكيف تنتظر أنت وأنت تبني أمة؟
حين التقى الحكماء مع نور الآية
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يُحسن.” والمسارعة هي أن تُحسن قبل أن يُطلب منك. وقال نابليون: “الحرب حربُ توقيت.” والقيادة كذلك. وقال ابن القيم: “مَن لم تَسبق همّته خطاه فهو من أهل الإضاعة.” كل هؤلاء… كانوا يرددون دون أن يشعروا: وسارعوا.
قيادة تصنع أثرًا يبقى بعد الغياب
القيادة الربانية ليست نفوذًا ولا شهرة ولا منصبًا. هي أثر. أثرٌ يُبقي اسمك عند الله قبل أن يبقيه عند الناس. و“وسارعوا” ليست مجرد آية… هي إعلان سماوي بأن الطريق إلى الخلود يبدأ بركضة صادقة. ركضة نحو الخير، نحو البناء، نحو الحق، نحو صناعة مستقبلٍ لا يخجل أصحابه من النظر خلفهم… لأنهم سبقوا بما يكفي.