سرّ الأذان… وقيادةٌ تتنفّس من أعلى المآذن

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

هناك لحظات في التاريخ لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بما تُحدثه في داخل الإنسان. وأعظم هذه اللحظات… تلك الثواني الأولى التي يخرج فيها صوت المؤذن من أعلى المئذنة، يعلن: الله أكبر. ليس نداءً للصلاة فقط، بل نداءٌ للحياة نفسها، نداءٌ يوقظ الإنسان من غفلته، ويذكّره بأن القيادة الحقيقية تبدأ من لحظة وعي، من لحظة استيقاظ الروح قبل الجسد، من لحظة تَصحو فيها القلوب قبل العقول. الأذان ليس صوتًا، بل رسالة قيادة الهُدى إلى البشر. وكل قائد صادق، مهما علا منصبه، ومهما اتسعت مسؤولياته، يحمل في داخله “مئذنة” لا يراها الناس… ولكنه يسمع نداءها كل يوم.

السر الأول: حين يبدأ الأذان بـ “الله أكبر” … تبدأ القيادة من التواضع

لا شيء يبدأ بـ “أنا” في الإسلام. حتى أجمل نداء في الدنيا… يبدأ بـ: الله أكبر. هكذا تعلّم القيادة أن أول الطريق ليس الذات، بل رؤية أوسع من الذات. القائد الذي ينسى أن هناك من هو “أكبر” منه… ينهار عند أول اختبار. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.” وما معنى أن تعرف قدر نفسك؟ هو أن تعرف أن فوقك ربًّا، وأن أمامك مهمة، وأن بين يديك أمانة. الأذان يعلن: القيادة تبدأ من السجود لا من التسلّق، ومن إدراك الضآلة لا من ادعاء العظمة. ولهذا لم يولد قائدٌ عظيم إلا كان يسمع داخله، كل صباح: الله أكبر- تذكيرًا بأن الدور أكبر منه، والغاية أكبر منه، والناس أهم من ذاته، والحق أعلى من سلطته.

السر الثاني: “أشهد ألا إله إلا الله” … القيادة ليست خوفًا من أحد، بل وفاءً لواجب

في هذه الجملة يَسقط الخوف… كل الخوف. القائد الذي يُخيفه البشر لا يقود. والقائد الذي يخشى الفشل أكثر مما يخشى الله… يضلّ. لذلك كان الأذان مدرسة تربية لا مدرسة نغم. يعلّم القائد أن الشهادة ليست كلمات، بل موقف. شهادة ألا إله إلا الله تعني: أنك لا تجامل في الحق، ولا تساوم على الأمانة، ولا تعبد شهرةً، ولا تسجد لمصلحة. يقول ابن تيمية: “ما يفعل أعدائي بي؟ جنتي في صدري.” هذه هي القيادة التي تتخرج من مدرسة الأذان. قلبٌ يشهد… إذًا لا ينهزم.

السر الثالث: “أشهد أن محمدًا رسول الله” … القدوة قبل السلطة

لا قيادة بلا اقتداء، ولا سلطة بلا أخلاق. حين يصدح المؤذن بالشهادة الثانية، فهو يقول لك: قبل أن تقود الناس… اتبع رسولًا هدى الناس. وما ترك الرسول ﷺ خُلقًا قياديًا إلا تَرَكه مثالًا. كان يقول: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.” هنا تتجلى القيادة التي لا تهرب من المسؤولية. ومن أعظم القيادة قوله ﷺ: “اللهم أمتي أمتي” دعاء قائد… وليس دعاء نبي فقط. قائدٌ يحمل شعبًا بأكمله داخل صدره. كل قائد يريد أن يكتب الله له بصمة في التاريخ… فليبدأ من هنا: أشهد أن محمدًا رسول الله. اقتداءٌ في العدل، والرحمة، والحزم، والنقاء.

السر الرابع: “حيّ على الصلاة” … نداء التحرك لا نداء المعرفة

ما أجمل الأذان حين يتحول من كلمات إلى حركة. القيادة ليست “محاضرة”، بل “دعوة للفعل”. الأذان لا يقول: “اعلموا أن الصلاة خير”، بل يقول: حيّ… انهض… تقدّم… تعالَ… تحرك. كل قيادة تبدأ بالمعرفة فقط، نهاية أمرها أوراق وتقارير واجتماعات لا تنتهي. وكل قيادة تبدأ بالحركة، تتولد منها المعجزات. المؤذن لا ينتظر الناس، بل يسبقهم بخطوة. وهكذا القائد العظيم: يسبق جمهورَه بالخطوة الأولى… ثم يسمعون أثره، لا صوته فقط. يقول بيتر دراكر: “القيادة هي رفع نظر الناس إلى آفاق أعلى.” والأذان يفعل ذلك حرفيًا: يرفع أعينهم من الدنيا… إلى السماء.

السر الخامس: “حيّ على الفلاح” … القيادة ليست نجاحًا، بل فلاحًا

ما الفارق بين النجاح والفلاح؟ النجاح قد يكون مؤقتًا، ماديًا، قابلًا للزوال. أما الفلاح… فهو اكتمال الصورة: نجاح الجسد والروح، العمل والنية، الإنجاز والمرضاة. الأذان يربط بين الفعل والفلاح. بين الجهد والثمرة. بين الحياة والآخرة. القائد الذي يفهم الفلاح… يضع الأثر قبل الإنجاز، والقيمة قبل العائد، والإنسان قبل المشروع. هذه فلسفة لا تعرفها كتب الإدارة الحديثة… لكن يعرفها صوت الأذان كل يوم.

السر السادس: “الله أكبر… الله أكبر” مرة أخرى… إعادة التذكير في لحظة القيادة

لماذا يُعاد “الله أكبر” في نهاية الأذان؟ لأن الإنسان ينسى. والقائد ينسى أكثر. والقوة تُسكر. والمنصب يُعمي. والإنجاز يُغري. فيأتي الأذان… كأنه يقول: يا من تعمل، يا من تجتهد، يا من تتصدر… تذكر البداية. تذكر أن في العلوّ فتنة… وفي الفتنة خسارة… وأن أكبر منك ربًّا… يرى ويعلم. هكذا تُبنى القيادة المتزنة: شرارة في البداية… وتذكير في النهاية.

السر السابع: “لا إله إلا الله” ختام الأذان… ختام القيادة

جملة واحدة… تنهي الأذان، وتُنهي الدنيا، وتقف عندها كل القيادة. هذه الجملة هي عقد العمل بين الإنسان وربه. وهي أيضًا عقد القيادة بين القائد والناس. فلا قائد حقيقي إلا من حمل هذه الرسالة: لا إله إلا الله… فلا طغيان، ولا ظلم، ولا كبرياء. القادة الذين سقطت دولتهم لم يسقطوا لأنهم لم يعرفوا كيف يُديرون، بل لأنهم نسوا “لا إله إلا الله” في إدارة الناس. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.” الظلم يأتي حين تنسى لا إله إلا الله… والعدل يبدأ حين تتذكرها.

جمال الأذان… وجمال القيادة

جمال الأذان ليس في اللحن، بل في المعنى. وجمال القيادة ليس في الخطاب، بل في الخلق. الأذان جميل لأنه صادق، ثابت، لا يتغيّر. والقيادة جميلة حين تكون صادقة، ثابتة، لا تتلوّن. جمال الأذان في وضوحه. لا غموض، لا تردد، لا تزويق. كلمات خمس… تبني أمة. وجمال القيادة في وضوحها أيضًا: هدف واضح، قيمة واضحة، طريق واضح. الأذان من أعلى نقطة في المدينة… والقيادة من أعلى نقطة في الرؤية. الأذان يسمعه الجميع… والقيادة يراها الجميع وإن لم يسمعوا صوتًا.

سر الأذان… أن القائد ليس صوتًا، بل قدوة

المؤذن لا يكتفي بالنداء… بل يصلي أولًا. هنا تتجلى عظمة القيادة: أن تقول ما تفعل، وأن تفعل ما تقول. يقول ابن القيم: “الناس ينظرون إلى القائد قبل أن يسمعوا منه.” لهذا كان نداء الأذان قدوة قبل أن يكون نغمًا. إن أردت أن تكون قائدًا… اسأل نفسك مع كل أذان: هل أنت ممن “حيّ على الفلاح”؟ أم ممن ينتظرون الناس ليبدأوا؟

الأذان والقيادة… لقاء السماء بالأرض

حين يصعد المؤذن إلى المئذنة، يعلو جسده… ولكن تعلو معه قلوب المدينة كلها. القيادة كذلك: ليست ارتفاعَ منصب، بل ارتفاع أثر. الأذان يملأ المدينة طمأنينة. والقائد الحقيقي… يملأ فريقه ثقة. الأذان يعلن بداية وقتٍ مهم. والقائد يعلن بداية مرحلة مهمة. الأذان يوقظ النائم. والقائد يوقظ الهمم. الأذان دعوة للقبلة. والقيادة دعوة للوجهة. الأذان ترتيب. والقيادة ترتيب. الأذان انضباط. والقيادة انضباط. الأذان حياة. والقيادة حياة أخرى.

وأخيرًا… سرّ الأذان أنه يصنع قادةً بلا سلطات

الأذان يُسمع خمس مرات يوميًا… بلا جيش، بلا وزارة، بلا سلطة تنفيذية، بلا قرار… ومع ذلك يهزّ القلوب، ويصنع أثرًا أعظم من ألف خطاب قيادي. لأن القيادة الحقيقية… لا تُفرض. القيادة تُسمع… ثم تُتبع… ثم تُحَب. الأذان يذكّرنا بأن القيادة ليست ثوبًا يُلبس، بل نورًا يُكتسب. وأن أعظم القادة… هم الذين كانوا مؤذنين بالفكرة، لا بالصوت. يدعون الناس إلى الخير، إلى العمل، إلى النجاح، إلى الفلاح… بلا صراخ… بلا ادعاء… بلا كبرياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top