
محمد تهامي
لم يكن مساء الاثنين، التاسع عشر من يناير عام ستةٍ وعشرين وألفين، مساءً عاديًا في الدوحة. كان مساءً يتهيأ لأن يُدوَّن لا في مفكرة الأيام، بل في ذاكرة القيم. بعد صلاة العشاء، حيث تسكن الأرواح قليلًا بعد عناء النهار، وحيث تتقارب القلوب دون موعد، فوجئتُ بنداءٍ خافتٍ في نبرته، عظيمٍ في أثره. التفتُّ، فإذا بالفاضل بو جنة أحمد نادي، يناديني بالمسجد، نداء لا يُشبه نداءات العابرين، بل يشبه تلك النداءات التي تُقال مرة واحدة، لكنها تُقيم طويلًا في القلب.
رافقنا إلى مكان الإقامة، ولم يكن في المشي شيء يوحي بالمفاجأة، ولا في الحديث ما يكشف عن القادم. كل ما في الأمر أن الطمأنينة كانت تسير معنا، كأنها تعلم ما لا نعلم. وحين فُتح الباب… لم ندخل غرفة، بل دخلنا مائدة معنى. شوربة خضارٍ مشكّلة باللحم، دافئة كقلب أمٍّ في شتاء، طبق سلطةٍ كأنه بستانٌ صغير، لا ترى فيه لونًا إلا ويحملك إلى فكرة: هذا الأخضر لم يُقطف عبثًا، وهذا الأحمر لم يُقطع على عجل، وهذا التناسق لم يكن مصادفة. وعاء فريك، لا يُقدَّم عادةً إلا لمن تُراد له البركة، وطبق لحم مع البصل، نضج على مهل، كما تنضج القيم عند الرجال الكبار، وبطاطا مشوية، تفوح منها رائحة لا تُشمّ بالأنف فقط، بل تُستقبل بالذاكرة.
ثم جاءت المفاجأة من العيار الثقيل: المائدة… كلها من صناعته بيده. هنا، توقّف السرد العادي، وبدأ السرد العميق. ليس عظيمًا أن تُحضِر مائدة، العظيم أن تصنعها بيدك، والأعظم أن تفعل ذلك دون إعلان، والأندر أن تفعل ذلك بعد صلاة العشاء، في زمنٍ صار كثير من الناس يعتذرون عن القرب، ويتثاقل بعضهم عن الإحسان. يقول ابن خلدون – ذلك العارف بطبائع العمران” إنما تُعرف معادن الرجال عند المحكّات، لا عند الرخاء الظاهر.” وما هذه المائدة إلا محكّ أخلاقي، أثبت أن الرجل لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنح، ولا بما يقول، بل بما يفعل حين لا يراه أحد.
أما حاتم الطائي، رمز الجود الذي عاش ليُضرب به المثل، فإن شهد هذه المائدة، لعلم أن الكرم لم يمت،
بل غيّر ثوبه، وانتقل من الصحراء إلى المدينة، ومن الخيمة إلى الشقة، ومن القدر الكبير إلى طبقٍ صادق. لكن الفارق هنا، أن الكرم لم يكن استعراضًا، بل عبادة صامتة. أحد كبار قطر – ممن عُرفوا بالحكمة – قال يومًا “الرجال لا تُختبر في الولائم الكبيرة، بل في المبادرات الصغيرة التي لا يطلب أصحابها شكرًا.”
وهذه المائدة، على بساطتها الظاهرة، كانت مبادرة كبرى في ميزان القيم. كل طبق كان يحكي قصة، كل رائحة كانت تحمل رسالة، وكل حركة يد في التحضير كانت تقول: “أنا حاضر… لا لأنني مطالب، بل لأنني أؤمن.” جلسنا إلى الطعام، لكن الحقيقة أننا جلسنا إلى درسٍ غير معلن، درس في معنى الأخوّة، وفي معنى أن تكون الضيافة فعل محبة لا واجب بروتوكول. في زمن السرعة، اختار التمهّل. في زمن الجاهز، اختار الصنع بيده. في زمن الأعذار، اختار الفعل. وهنا تتجلى الفكرة التي طالما غابت: أن الإنسان يُعرَف في التفاصيل. ليس في الخطب، ولا في الصور، ولا في المنشورات، بل في لحظة عابرة بعد صلاة العشاء، حين يُمكنك أن تعود لترتاح،
لكنّك تختار أن تُتعِب يديك لتُريح قلوب غيرك.
هذه المائدة لم تُشبع بطوننا فقط، بل أيقظت فينا يقينًا قديمًا: أن الخير لا يزال بخير، وأن القيم لم تهاجر، وأن في الناس من إذا أحسن، أحسن بصمت. وقبل أن نختم، لا بد أن يتحول المقال إلى دعاء، فمثل هذا الفعل لا يُختم إلا بالسماء. اللهم يا واسع الفضل، بارك لأخينا بو جنة أحمد في عمره، وصحته، وأهله، وذريته، واجعل ما صنعه بيده نورًا في ميزانه، وسترًا له يوم يلقاك. اللهم احفظ أسرته، وأسكن السكينة في بيته، ووسّع عليه من حيث لا يحتسب.
اللهم أتمم فرحته، وتمم عرس ابنته جنة بالخير والبركة، واجعل حياتها سعادة، وبيتها مودة، وخطواتها توفيقًا، واجعلها قرة عينٍ لوالديها، واكتب لها من الخير أضعاف ما تمنّت، وأجمل مما توقّعت. اللهم اجعل هذه المائدة شاهد صدقٍ له لا عليه، واجعلها بذرة خيرٍ تمتد آثارها في القلوب، كما امتدت رائحتها في المكان.
وفي الختام… لسنا بحاجة إلى موائد فاخرة، نحن بحاجة إلى رجال صادقين، إذا حضروا… حضر المعنى، وإذا قدّموا… قدّموا أنفسهم قبل الطعام. وهذه… لم تكن مائدة. كانت رسالة. وكان صاحبها عنوانها.