
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم يكن الليل في آخره ليلًا عاديًا. كانت الساعات تمشي على أطرافها، كأنها تخشى أن توقظ الغفلة، وكان الصمت أثقل من الكلام، لأن الزمن نفسه كان حاضرًا. في تلك اللحظة الفاصلة، حين لم يبقَ من رجب إلا أنفاسه الأخيرة، وحين كان شعبان يقف عند العتبة، لا داخلًا تمامًا، ولا خارجًا بعد، وقع الحوار. لم يُسمَع صوت، لكن القلوب التي ما زالت حيّة شعرت به.
قال رجب، وهو يلتفت إلى ما خلّف وراءه من أيام: لا تنظر إليّ كغريب، فقد جئتُ محمّلًا بالفرص، لا بالأيام. مررتُ خفيفًا، لأنني خُلِقتُ لأُذكِّر لا لأُثقِل، ولأوقظ لا لأُطيل البقاء. سكت قليلًا، ثم أضاف بصوتٍ يشبه الاعتراف: بعضهم أحسن استقبالي، رآني موسم مراجعة، فخفّف حمْله، وأعاد ترتيب قلبه، وبعضهم مررتُ به،كما يمرّ النسيم على حجرٍ بارد، لا يترك أثرًا، ولا يجد مقاومة.
اقترب شعبان خطوة، وكان حضوره مختلفًا، ليس فيه صرامة البدايات، ولا حنين النهايات، بل حكمة الجسر. قال: أعرفهم…أنا أعرفهم جيدًا. هم الذين ينتظرون العطاء الكبير دون أن يُهيِّئوا أوعيتهم، ويستغربون ثِقَل الوصول لأنهم لم يتدرّبوا على السير.
تنفّس رجب، وكأن في صدره كلمات لم تُقَل بعد: كنتُ بابًا صغيرًا، من دخله بتواضع، فُتِحت له الأبواب، ومن تجاهله، ظنّ أن الأبواب تُفتح وحدها. ثم نظر إلى شعبان نظرة الوصية: إيّاك أن تكون قاسيًا عليهم. هم أبنائي كما هم أبناؤك، ضعفاء، مشتّتون، لكن في أعماقهم شوق لا يعرف كيف يعبّر عن نفسه.
ابتسم شعبان ابتسامة من يعرف ثِقل الأمانة، وقال: لن أكون قاسيًا… لكنني لن أكون مُجامِلًا. سأعلّمهم أن الاستعداد عبادة، وأن النيّة عمل، وأن من لا يُصلح سريرته عندي، سيُتعبه الوقوف طويلًا بعدي. ساد صمتٌ عميق. الصمت الذي لا يُخيف، بل يُربّي.
ثم عاد رجب للكلام، وقد بدا صوته أرقّ: قل لهم… قل لهم إنني لم أرحل غاضبًا، ولا راضيًا عن الجميع. رحلتُ كما يرحل المعلّم بعد الدرس،من فهم فقد فاز، ومن لم يفهم فالدروس لم تنتهِ بعد.
قال شعبان: سأقول لهم أكثر من ذلك. سأقول لهم إن الزمن ليس عدوّهم، وأن المواسم لا تخون، وإنما القلوب هي التي تتأخر.
اقترب الاثنان من بعضهما، وكأن الزمن طوى نفسه لحظةً واحدة، فقال رجب: احذر عليهم من العجلة، فمن استعجل الثمرة قبل نضجها، لم يذق حلاوتها.
أجابه شعبان: وسأحذرهم من التسويف، فمن قال “سأبدأ غدًا”، غالبًا ما يصل متأخرًا. هنا تغيّر نَفَس الحديث. لم يعد بين شهرين، بل بين معنيين: الوداع والاستقبال.
قال رجب: أخبرهم أنني شاهدت قلوبهم، منهم من كان صادق الحزن على تقصيره، ومنهم من كان حزينًا لأن الموسم انتهى لا لأنه قصّر، والفرق بينهما… هو الفرق بين من يُصلِح نفسه، ومن يكتفي بالشعور.
قال شعبان بصوتٍ أعمق: وأنا سأختبرهم. ليس بكثرة العمل، بل بثباته. ليس بارتفاع الصوت، بل بحضور القلب. سأرى من يدخل عليّ بنية التجمّل للناس، ومن يدخل بنية التهيؤ للقاء أعظم.
ارتجف الزمن قليلًا. كان الفجر يقترب، وكان لا بدّ من الوداع.
قال رجب كمن يسلّم الأمانة: إذا رأيتَهم يتثاقلون، فذكّرهم أن الثقل لم يكن في العبادة، بل في الذنوب التي لم تُترك.
قال شعبان: وإذا رأيتُهم يفرحون بقدومي فقط، سأهمس لهم: الفرح الحقيقي، أن تُقبَل، لا أن تصل.
ثم قال رجب آخر كلماته، وكانت أقرب إلى دعاء: اللهم من أحسن فيّ فزدْه، ومن قصّر فاجبره، ومن غفل فأيقظه قبل أن يقف طويلًا على الأبواب.
أطرق شعبان رأسه، وقال: آمين… وسأكون لهم فرصة لا تتكرر، فإما أن يُحسنوا العبور، أو يعرفوا لاحقًا معنى الندم الجميل.
ومضى رجب. لم يترك ضجيجًا، ولا أثر أقدام، ترك فقط سؤالًا معلقًا في القلوب: ماذا فعلنا حين كان بيننا؟
ودخل شعبان. لم يعلن قدومه بصوتٍ عالٍ، بل دخل كما تدخل الحكمة: هادئة، ثقيلة المعنى، واضحة لمن أراد أن يفهم.
وهنا… لم يعد المقال مقالًا، بل مرآة. مرآة تقول لكل قارئ: لستَ متأخرًا… لكن لستَ مبكّرًا أيضًا. ما زال الباب مفتوحًا، لكن الطريق يحتاج صدقًا لا حماسة، واستعدادًا لا ضجيجًا. فإن قرأت هذا النص وقلبك يقظ، فاعلم أن رجب ودّعك وهو راضٍ، وأن شعبان استقبلك وهو ينتظر منك أكثر مما تقول، وأقل مما تَعِد، وأصدق مما تُظهِر. اللهم بلّغنا ما بعده بقلوبٍ قد نُقِّيت، ونياتٍ قد صُلِّحت، وأعمالٍ تعرف طريقها إليك، كما تعرف الأرواح طريقها إلى الفجر.