|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
لم تكن الدعوة عادية، ولا الموعد عابرًا. كانت إلحاحًا كريمًا يشبه الصدق حين يُصرّ، حرصًا نادرًا يشي بما لا يُقال، ويكشف ما لا يحتاج إلى شرح ما في القلب من مودة قبل أن تنطق الشفاه. الأربعاء الماضي، حين التقينا الفاضل د أحمد فوزي فارس أبو عبد الرحمن، لم تكن الكلمات كثيرة، لكن العناية كانت واضحة، كأن الدعوة قد سبقت اللقاء، وكأن الجمعة كانت مكتوبة سلفًا.
قبيل المغرب، وصلنا البيت المبارك في الدوحة، برفقة صحبٍ كريم، فكان الاستقبال أول درسٍ في الأدب، والابتسامة أول آيةٍ في الكرم. ماءٌ يُقدَّم قبل السؤال، ولبنٌ يُسكب قبل الجلوس، وطبق فاكهةٍ يقول:
أنتم لستم ضيوفًا… أنتم من أهل الدار”. حين أذّن المغرب، مضينا إلى المسجد المجاور، خطوات قصيرة لكنها كانت ممتلئة بمعنى الوصول، وصلّينا… كأن الصلاة ختمٌ رباني يبارك الجلسة قبل أن تبدأ. ثم عادت الخطى إلى البيت، لا لتناول طعام، بل للدخول في طقسٍ عائليٍ كامل.
مائدة بحرية… لكن البحر فيها لم يكن ملحًا فقط، كان ذاكرة، وكان دفئًا، وكان يدًا أمينة تعرف كيف تطهو بحب. قاروصٌ مشويٌّ بعناية، وبلطيٌّ مقليٌّ يذكّرك أن البساطة إذا صَدَقت صارت فخامة، وأرز صيادية كأنّه يروي حكاية ساحلٍ قديم. سي فود بأنواع بحرية متعددة، وشربة جمبري تدخل القلب قبل المعدة، وسلطة من بستان خضروات… نعم، بستان، فالطزاجة هنا ليست وصفًا، بل حقيقة. جمبري مشوي، ولبن، وزبادي بالخيار، وخلطة بهارات خاصة بالسمك يسمونها “ويسكي” لا تُسكر الرأس لكنها تُنعش الذاكرة. وبابا غنوج…
باذنجان مهروس لكنه مهروس بحنان. وكل ذلك، كل هذا الجمال المتوازن، كان من صناعة الفاضلة أم عبد الرحمن، سيدة لا تطبخ لتُبهر، بل تطبخ لتُطمئن، فتخرج الأطباق شاهدةً على روحٍ تعرف معنى “البيت”.
بعد الإفطار، لم يُغلق المجلس، بل انفتح. شاي، ونسكافيه، وأطباق فاكهة كأنها بستانٌ آخر: موز، تفاح، جوافة، برقوق، مشمش، عنب… ثم القهوة التركية لتعلن بدء الحديث الأعمق.
كان الحديث روحيًا، هادئًا، لا يُقاطع فيه أحد أحدًا، ولا يُستعرض فيه رأي. حديث إخوة، حديث بيتٍ واحد، حديث عائلةٍ لم يجمعها الدم لكن جمعها الذوق، والنية، وصدق القصد. دار الكلام عن تجارب في الأعمال التجارية، لا بمنطق الربح فقط، بل بمنطق الأثر. وعن تصورٍ لمحل الإقامة في المرحلة القادمة، حديثٌ يحمل بين سطوره حرصًا دفينًا، واهتمامًا صادقًا من الفاضل د أحمد، اهتمام لا يُقال مباشرة لكن يُفهم من الأسئلة، ومن الصمت، ومن طريقة الإصغاء.
يقول أحد حكماء قطر: “البيوت لا تُعرف بكثرة ما فيها، بل بصدق من فيها.” وهذا البيت كان صادقًا. ويُروى عن أهل الحكمة في هذه الأرض الطيبة: “الكرم الحقيقي هو أن يشعر الضيف أنه لم يغادر بيته.” وقد صدقوا… فلم نشعر أننا غادرنا شيئًا، بل شعرنا أننا وصلنا. كانت ليلة تُذكّرك أن المائدة قد تكون مدرسة، وأن الجمعة قد تكون رسالة، وأن شعبان ليس شهر عبور، بل شهر تهيئة للقلوب قبل أن تتهيأ الأيام.
اللهم بارك هذا البيت وأهله، وبارك د أحمد فوزي أبو عبد الرحمن، وبارك الفاضلة أم عبد الرحمن، واجعل ما قدّموه في ميزان حسناتهم نورًا مضاعفًا. اللهم اجعل بيوتهم عامرة بذكرك، مفتوحة بالخير، محفوظة من كل همٍّ وسوء. اللهم كما جمعونا على مائدة محبة، فاجمعنا بهم على موائد الجنة، ولا تحرمنا لذة الألفة، ولا جمال اللقاء، ولا نعمة الإخوة فيك. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، ولا تجعل فينا ولا منا ولا بيننا شقيًّا ولا محرومًا.