
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
ليس هذا صباحًا عاديًا. هو صباحٌ يعرف طريقه إلى المعنى قبل أن يصل إلى المكان. موكبُ النور يدخل المجمع التعليمي، لا كضيوفٍ عابرين، بل كأمانةٍ تمشي على الأرض، وكأن الزمن نفسه قرر أن يتوقف قليلًا ليشهد: كيف يُولد الأمل حين تتلاقى النية الصادقة مع العمل. منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن اليوم الأول الجمعة 23 يناير 2026 ليس “برنامجًا” بالمعنى الإداري، بل رحلةً داخل الإنسان، تُكتب فصولها بخطواتٍ هادئة، وقلوبٍ حاضرة، وأرواحٍ تعرف لماذا جاءت.
وضع حجر الأساس للمدرسة الثانوية.. حين يبدأ البناء من الدعاء
لم يكن حجرًا يُوضَع في الأرض فقط، بل كان وعدًا يُوضَع في الغد. وقف الفريق حول موقع المدرسة الثانوية، والهدوء يسبق الكلمات، كأن المكان يطلب احترامه قبل أن يُبنى. لحظة وضع حجر الأساس لم تكن احتفالًا شكليًا، كانت لحظة خشوعٍ صامت، لأن الجميع أدرك أن المدارس لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل باليقين. هنا ترددت حكمة عمانية عتيقة، منسوبة للإمام نور الدين السالمي رحمه الله، بمعناها لا بحرفها: “العلم إذا وُضع في غير موضعه ضاع، وإذا وُضع في موضعه أحيا ما حوله.” وهذا الحجر وُضع في موضعه تمامًا. وُضع ليكون سقفًا لأحلامٍ لم تُولد بعد، وممرًا لأقدامٍ ستخرج يومًا لتغيّر واقعها.
جولة فصول المرحلة الابتدائية.. حيث يبدأ الإنسان نقيًا
في فصول الابتدائي، لم يكن الأطفال جالسين فقط؛ كانوا واقفين في القلوب. عيونٌ واسعة، ضحكاتٌ غير مدربة، وأسئلة لا تُقال لكنها تُرى. هنا، يدرك الزائر أن التعليم في بدايته ليس تلقينًا، بل احتضان. كل مقعدٍ يحمل طفلًا، وكل طفلٍ يحمل عالمًا كاملًا. وحين مرّ أعضاء موكب النور بين الصفوف، لم يمروا كمتفرجين، بل كمَن يرى نفسه في هذه العيون. كأن أحدهم يهمس: “إن تعثّر هذا الطفل اليوم، سيتعثر المجتمع غدًا.” وهنا تحضر حكمة عمانية ثانية، تُنسب للبحّار الحكيم أحمد بن ماجد، ولكنها تصلح لكل البرّ والبحر: “من عرف البدايات، أجاد الوصول.” والبداية هنا… في هذا الصف الصغير.
جولة المرحلة المتوسطة.. عمر الأسئلة الصعبة
في المرحلة المتوسطة، تغيّر المشهد. العيون لم تعد بريئة تمامًا، لكنها لم تفسد بعد. هذا العمر هو أخطر الأعمار: إمّا أن يجد الطالب من يأخذ بيده، أو يتركه العالم فريسةً للضياع. الأسئلة هنا أكبر، والصمت أعمق. والفريق يدرك أن هذه المرحلة لا تحتاج فقط إلى مناهج، بل إلى قدوة. إلى مَن يقول للطالب: “أراك… وأثق بك.” وهنا تهمس حكمة ثالثة من حكيم عماني معاصر في معناها، الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله: “الشباب إذا أُحسن توجيههم، كانوا ذخيرة الأمة، وإذا أُهملوا، صاروا عبئًا عليها.” ولهذا كانت هذه الجولة أشبه برسالة غير مكتوبة: نحن معكم… قبل أن تضيعوا.
غرفة الحاسوب والمختبر والمكتبة والمهاجع.. حين يصبح المكان شريكًا في التربية
في غرفة الحاسوب، لم تكن الأجهزة هي اللافتة، بل فكرة أن العالم صار قريبًا من هذه القرية. وفي المختبر، لم تكن الأدوات هي الأهم، بل الفضول الذي سيُشعلها. وفي المكتبة، كانت الكتب تصطف كجنودٍ للمعرفة، تنتظر من يستدعيها. أما المهاجع… فكانت الحكاية مختلفة. هنا ينام التعب، وتستيقظ الأحلام. هنا يُربّى الإنسان حين لا يراه أحد. ومن يعتنِ بموضع النوم، فقد اعتنى بالكرامة.
صلاة الجمعة.. حين يتساوى الجميع تحت نداء واحد
حين ارتفع الأذان، سقطت كل الألقاب. لا قائد ولا ضيف ولا طالب… الجميع عباد. صفٌ واحد، نية واحدة، ودعاء واحد: “اللهم تقبل.” كانت الصلاة لحظة توحيد حقيقية، توحيد قلوب قبل توحيد صفوف. وفي السجود، شعر الجميع أن هذا اليوم لم يكن ليكتمل دون هذه الوقفة.
الغداء معًا.. مائدة تُساوي بين القلوب
لم يكن الغداء طعامًا، بل مشاركة. حين يأكل الضيف مع الطالب، تُكسر الحواجز دون خطابات. الضحك هنا كان صادقًا، والحديث بسيطًا، والإنسان حاضرًا.
البرنامج الثقافي.. العلم حين يُروى لا يُلقَّن
جاء البرنامج الثقافي خفيفًا في شكله، عميقًا في أثره. كلمات قصيرة، لكنها خرجت من قلوب تعرف ماذا تقول ولماذا تقول. لم يكن استعراضًا، بل تذكيرًا بأن الثقافة ليست ترفًا، بل هوية.
توزيع الهدايا والحلويات.. فرحٌ بلا مقابل
الهدايا لم تكن في قيمتها المادية، بل في توقيتها. أن تُعطي طفلًا شيئًا جاء به ضيف من بلده، فأنت تقول له: “أنت مهم.” وهذه الرسالة لا تُنسى.
غرس الأشجار.. العطاء الذي لا يُؤكل فورًا
حين أمسك الضيوف بالتراب وغرسوا الأشجار، كان المشهد أبلغ من ألف كلمة. شجرة تُغرس اليوم، ليأكل ظلها غير الغارس غدًا. وهذا هو العطاء الحقيقي.
الاحتفال بعروسين من كادر التعليم.. الحياة لا تتوقف عند العمل
كان الختام إنسانيًا بامتياز. احتفال بسيط، لكنه عميق الدلالة: بقيادة أم لؤي وجميلة، رسالتهما: نحن لا نبني مدارس فقط، بل نحتفل بالحياة داخلها.
وختامًا، هذا هو اليوم الأول… فكيف ستكون الأيام القادمة؟ اليوم الأول لم يكن افتتاحًا، بل عهدًا. عهدًا أن يبقى موكب النور وفِيًّا لاسمه. أن يكون العطاء فعلًا، لا صورة. وأن تكون كينيا – في هذا اليوم – شاهدةً أن الإنسان ما زال بخير… حين يتذكر إنسانيته. وهكذا، انتهى اليوم الأول… لكنه في الحقيقة، بدأ في القلوب.





